المهمة الانقاذية لساركوزي: تفاهم اللبنانيين أو الانتحار
الأسد: الحل في أيدي الحريري والدول الكبرى
"المهمة الانقاذية التي يقوم بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للمساعدة على اخراج لبنان من مأزقه الكبير على خلفية المحكمة الخاصة المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم أخرى مرتبطة بها، تتضمن المسائل والأمور الآتية:
أولاً – يرفض ساركوزي أن يطرح علناً مبادرة أو مشروعاً لمعالجة الأزمة اللبنانية ويتفق مع السعودية ودول أخرى على ضرورة أن يكون الحل ناتجاً من رغبة الأفرقاء اللبنانيين في انقاذ أنفسهم من "الانتحار الجماعي" والتعامل بمسؤولية وطنية وواقعية وحكمة مع الوضع الحالي المعقد والخطر.
ثانياً – حرص الرئيس الفرنسي في المقابل على أن يقدم أفكاراً ونصائح محددة الى مسؤولين وسياسيين لبنانيين التقاهم أو اتصل بهم حديثاً تركز على اعطاء الأولوية للتوصل الى تفاهم بين الفريقين اللبنانيين الأساسيين يمكن أن يعلن قبل صدور القرار الظني وينطلق من واقع كون المحكمة مستمرة وكون تحقيق العدالة وفقاً لأعلى المعايير القانونية هو لمصلحة الجميع، ويؤكد الحرص على التعامل مع هذه المحكمة وقراراتها بالوسائل القانونية السلمية وعلى التمسك بالسلم الأهلي وصيغة العيش المشترك ونبذ العنف والامتناع عن استخدام القوة المسلحة في الصراع السياسي الداخلي ويشدد على أن القرار الظني ليس موجهاً ضد طائفة معينة أو ضد كيان سياسي محدد وليس هدفه تغيير موازين القوى في البلد بل انه جزء من عملية قضائية دولية شفافة ومستقلة.
ثالثاً – يبدي ساركوزي استعداداً للتوجه الى بيروت مباشرة بعد اعلان هذا التفاهم لتأكيد دعم فرنسا له وللتشاور مع القيادات اللبنانية في الخطوات التالية الضرورية لمساعدة لبنان ولتقوية دور الدولة ومؤسساتها الشرعية وللمساهمة في تعزيز الأمن والاستقرار وتنشيط عمل حكومة الوحدة الوطنية. والرئيس الفرنسي على اقتناع بأن الدول الاخرى الحريصة على مصير لبنان ستدعم هذا التفاهم اللبناني.
رابعاً – جهود ساركوزي هذه ليست نتيجة قرار فرنسي ذاتي ومعزول بل انها جزء من عملية عربية – اقليمية – دولية تشارك فيها السعودية ومصر وتركيا وأميركا وتهدف الى تشجيع اللبنانيين على تجنب السقوط في فخ الاقتتال الداخلي الذي لن يحقق مكاسب لأي طرف ولن يوقف عمل المحكمة بل انه يلحق الخراب والدمار بالبلد ويفتح الباب أمام تطورات داخلية وخارجية بالغة الخطورة تخرج عن نطاق السيطرة ويمكنها أن تفجر حرباً تهدد الأمن والسلم الاقليميين والدوليين".
هذا ما أدلت به الينا مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس. وأفادت أن الرئيس بشار الأسد لم يقدم خلال محادثاته يوم 9 كانون الأول الجاري مع ساركوزي دعماً واضحاً وصريحاً لجهود الرئيس الفرنسي هذه، ذلك انه يختلف معه في الرأي ويتبنى وجهة نظر "حزب الله" القائلة بان المحكمة غير دستورية وغير قانونية وانها مسيسة وخطرة وان دولاً كبرى تتدخل في عملها، كما أن الرئيس السوري يشكك في مضمون القرار الظني ويبدو مقتنعاً بأن هذا القرار لن يستند الى أدلة وقرائن قوية وصلبة في توجيهه الاتهام الى أشخاص معينين ولذلك يفضل عدم صدوره.
وقالت المصادر الأوروبية المطلعة ان الأسد رفض أن يقدم الى ساركوزي والى مسؤولين عرب وغربيين رفيعي المستوى تعهدات أو ضمانات محددة وقاطعة أنه سيتمكن فعلاً من ضبط حلفائه ومنعهم من تفجير الأوضاع في لبنان أو من شل الحياة السياسية والعامة فيه اذا واصلت المحكمة عملها. وحذر الأسد في محادثاته واتصالاته مع الدول الحريصة على مصير لبنان من أن فشل الجهود العربية والدولية في ايجاد تسوية مقبولة لدى دمشق و"حزب الله" لمشكلة المحكمة قبل صدور القرار الظني وتوجيه الاتهام الى عناصر من الحزب بالتورط في جريمة اغتيال الحريري ورفاقه ستكون له انعكاسات سلبية جداً في الساحة اللبنانية. وشدد على أن مصير لبنان أكثر أهمية من عمل المحكمة وقال لزعيم غربي بارز انه حريص على التعاون مع السعودية للحفاظ على التهدئة في لبنان وانه يستطيع أن يتمنى استمرارها وأن يدعو اللبنانيين الى مواصلة التعاون معاً لمعالجة المشاكل العالقة، لكن ذلك ليس كافياً اطلاقاً لمنع انهيار الأوضاع أو للحيلولة دون حصول اضطرابات كبرى في هذا البلد.
الأسد ومسؤولية الأزمة
وفي رأي المصادر الأوروبية المطلعة ان نظام الأسد يتصرف على أساس أن معركته الحالية مع المحكمة الخاصة هي المعركة الأكثر أهمية وخطورة التي يخوضها منذ معركته مع القرار 1559 الذي أصدره مجلس الأمن في أيلول 2004 وتضمن دعوة الى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان مما أعطى شرعية دولية لتأمين الانسحاب السوري منه في نيسان 2005. وذكرت "ان الأسد أخطأ في حساباته آنذاك حين خاض معركة قاسية مع داعمي القرار 1559 ومؤيديه وتجاهل وجود غالبية كبرى من اللبنانيين تريد انهاء الهيمنة السورية على البلد، كما تجاهل نصائح عربية وفرنسية وأميركية ودولية أسديت اليه قبل أشهر من صدور القرار 1559 داعية الى اتخاذ قرار بالانسحاب من لبنان مما يساعد على اقامة علاقات قوية وجيدة وسليمة وعلى أسس جديدة بين بيروت ودمشق. لكن الأسد خاض المعركة ضد القرار 1559 وضد الغالبية الكبرى من اللبنانيين وخسرها. واليوم يعتمد الأسد مع حلفائه استراتيجية المواجهة والتصعيد والتهديد في التعامل مع المحكمة ومع المتمسكين بها والداعمين لها في الداخل والخارج، متجاهلاً حقائق ووقائع أساسية لبنانية وعربية واقليمية ودولية، ولذلك تتضمن هذه المعركة مجازفات كبرى يمكن أن يكشفها تطور الأحداث في المرحلة المقبلة".
وقالت لنا المصادر الأوروبية المطلعة انه يبدو واضحاً من حصيلة محادثات الأسد مع ساركوزي ومع مسؤولين عرب وغربيين معنيين بالأمر ان الرئيس السوري يرفض أن يتحمل مع حلفائه مسؤولية الأزمة المعقدة والخطرة الراهنة في لبنان، بل يرى ان هذه الأزمة ناتجة من ثلاثة عوامل أساسية هي الآتية:
أولاً – وجود سلطة قضائية دولية هي المحكمة الخاصة تعمل تحت رعاية مجلس الأمن ووصايته وتتجاهل الواقع اللبناني المعقد والحساس وتصدر أحكامها وقراراتها بمعزل عن القضاء والسلطة الشرعية في لبنان مما يجعلها، وفقاً للأسد، تتأثر بضغوط وتدخلات بعض الدول والجهات الغربية المعادية لسوريا و"حزب الله".
ثانياً – اصرار سعد الحريري رئيس الحكومة وفريق كبير من اللبنانيين على التمسك بالمحكمة بقطع النظر عن تداعيات قراراتها واجراءاتها وأحكامها ونتائجها وخصوصاً في حال توجيه الاتهام الى عناصر من "حزب الله" بالتورط في جريمة اغتيال رفيق الحريري.
ثالثاً – اصرار دول بارزة ومؤثرة على ضرورة مواصلة المحكمة عملها حتى النهاية أياً تكن نتائج قراراتها وانعكاساتها على الأوضاع في لبنان وفي سوريا وعلى العلاقات بين الأفرقاء اللبنانيين.
ولاحظ مسؤول أوروبي بارز معني بهذه القضية "ان الأسد يتصرف على أساس أن المحكمة شأن سوري وليست شأناً لبنانياً فحسب ويريد في تعامله معها وفي مشاوراته مع السعودية وفرنسا وأميركا ودول أخرى تحقيق هدفين أساسيين هما:
الأول – تأمين مصالح سوريا الحيوية في لبنان من خلال ضمان الحماية للحليف القوي "حزب الله" مما يتطلب، في رأي الأسد، منع صدور قرار ظني يتهم عناصر من الحزب بالتورط في جريمة اغتيال الحريري، إذ ان هذا الاتهام، وبقطع النظر عن الأدلة والقرائن التي يملكها المدعي العام الدولي دانيال بلمار، ستكون له تداعيات خطرة على الحزب وعلى حلفائه المحليين والاقليميين.
الثاني – منع المدعي العام بلمار من توجيه الاتهام في مرحلة من المراحل الى أي مسؤول سوري بالتورط مباشرة أو بصورة غير مباشرة في جريمة اغتيال الحريري. فالمسؤولون السوريون يجهلون ما تملكه لجنة التحقيق الدولية من معلومات وأدلة وقرائن ويعلمون أن هذه اللجنة ركزت منذ البداية على وجود "دور سوري ما" في جريمة اغتيال الحريري، ولذلك يعتمدون على مواقف "حزب الله" الجادة الرافضة للمحكمة وعلى تهديداته لمحاولة اثارة مخاوف الدول الكبرى ودفعها الى وقف عمل المحكمة.
وفي اعتقاد هذا المسؤول الأوروبي "ان المسؤولين السوريين يتخوفون من أن يتضمن القرار الظني وقائع ومعلومات وشهادات عن جريمة اغتيال الحريري تعيد العلاقات اللبنانية – السورية الى مرحلة التأزم والمواجهة وتسلط الأضواء مجدداً على العلاقة الصعبة والمتوترة بين النظام السوري والرئيس الراحل في الأشهر التي سبقت اغتياله".
ما المطلوب من الحريري؟
وأوضحت المصادر الأوروبية المطلعة أن الأسد يرى مع "حزب الله" ان سعد الحريري هو "مفتاح الحل" وليس أي زعيم سياسي آخر في لبنان، وان المطلوب منه أن يقوم، بالتفاهم مع الدول الكبرى، بمبادرة محددة تبرئ الحزب وسوريا من أي تهم محتملة يمكن أن توجه اليهما أو الى أشخاص مرتبطين بهما. والمبادرة المطلوبة تقضي بأن تتخذ الحكومة بناء على طلب الحريري قراراً رسمياً يرفض سلفاً القرار الظني ويدعو الى عدم اصداره وينزع الشرعية اللبنانية عن المحكمة ويطلب نقل ملفات جريمة اغتيال الحريري والجرائم الأخرى الى القضاء اللبناني ويتخذ خطوات واجراءات محددة لتحقيق ذلك كله، بما فيه سحب القضاة اللبنانيين المشاركين في عمل المحكمة ووقف تمويلها. وبعد انجاز هذه الخطوات يطلب النظام السوري، بالتفاهم مع الحكومة اللبنانية، اصدار قرار عربي رسمي يتبنى هذا الموقف الجديد، ثم تدعى فرنسا ودول أخرى الى العمل في مجلس الأمن على اصدار قرار جديد يوقف عمل المحكمة. وكما قال مسؤول سوري كبير لوزير أوروبي: "ان مسؤولية الأزمة الكبرى في لبنان تقع على الحريري وحلفائه وعلى الدول الكبرى. واذا أراد الحريري الحفاظ على علاقات جيدة مع سوريا ومع "حزب الله"، فان المطلوب منه أن يوقف مسيرة المحكمة، لأنه ليس ممكناً ضمان الاستقرار في لبنان ووجود علاقات لبنانية – سورية جيدة وقوية ما دامت العملية القضائية الدولية مستمرة".
وأفادت مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة في باريس أن ساركوزي تحدث مع الأسد خلال لقائهما الأسبوع الماضي بانفتاح وصراحة وحزم وتعامل معه على أساس انه ليس طرفاً محايداً في الصراع الداخلي اللبناني بل على أساس أنه حليف لخصوم المحكمة وشريك في المعركة التي يخوضها "حزب الله" مع هذه المحكمة ويتحمل تالياً مسؤولية تصرفات حلفائه وأعمالهم. وركز ساركوزي على أن ثمة فرصة مهمة متاحة للأسد كي يضطلع بدور ايجابي في لبنان، مما يساعد على تحسين علاقاته مع أميركا ودول غربية وعربية عدة، وذلك من خلال منع حلفائه من اسقاط التهدئة الأمنية والسياسية ومطالبتهم بالتعامل مع القرار الظني بالوسائل القانونية والمشروعة. وحرص الرئيس الفرنسي على أن يقول للأسد ان السعودية عاتبة عليه ومنزعجة من حملة دمشق وحلفائها القاسية وغير المبررة على الحريري ومن صدور مذكرات التوقيف الغيابية في حق 33 شخصية ومن تعطيل عمل الحكومة ومن المطالب المتشددة المقدمة الى رئيس الحكومة. وأكد ساركوزي انه يشاطر السعودية موقفها هذا، إذ ان الحريري بذل جهوداً حقيقية لتحسين العلاقات اللبنانية – السورية وللتوصل الى صيغة تحفظ العدالة والاستقرار معاً. وأبلغ الأسد ان الاستقرار في لبنان مصلحة حيوية سورية وان العنف لن يحل المشكلة ولن يوقف عمل المحكمة التي تتمتع بشرعية لبنانية وعربية ودولية ولن يمنع صدور القرار الظني، وان ليس لسوريا مصلحة في الدخول في مواجهة مع مجلس الأمن ومع دول بارزة ومؤثرة مصممة على حماية مهمة المحكمة وعلى منع سقوط لبنان. وحذر ساركوزي الرئيس السوري من تجاهل الحرص الدولي – العربي على مصير لبنان ومن استبعاد خطورة "العامل الاسرائيلي". وأشار في هذا المجال الى احتمال حصول تدخل عسكري اسرائيلي اذا انهارت الأوضاع في لبنان نتيجة أعمال عسكرية خطرة يقوم بها "حزب الله" وحلفاؤه في محاولة لمنع صدور القرار الظني أو للرد عليه. وقالت المصادر الغربية المطلعة ان الأسد استمع الى ساركوزي باهتمام، لكنه "لم يقتنع" بمعظم ما سمعه منه بل حافظ على موقفه الأساسي الرافض للمحكمة والداعم لمواقف "حزب الله" و"الراغب" في أن تستمر التهدئة الأمنية في لبنان من غير أن يضمن ذلك.
ولخص ديبلوماسي أوروبي مطلع الوضع بقوله: "ساركوزي يرفض أن يدفع الحريري واللبنانيون عموماً ثمن تمسكهم بتحقيق العدالة والأسد يرفض أن يدفع حلفاؤه ونظامه ثمن استمرار عمل المحكمة. ساركوزي يريد أن يتقبل الأسد مع حلفائها المحكمة كأمر واقع شرعي دولي ليس ممكناً التراجع عنه من أجل تحقيق العدالة والاستقرار معاً، والأسد يريد من الرئيس الفرنسي أن يضغط على الحريري كي يستجيب للمطالب السورية وأن يتحرك في مجلس الأمن لوقف عمل المحكمة من أجل ضمان الاستقرار في لبنان. ساركوزي يرى ان ثمن تحسين العلاقات السورية – الغربية – العربية هو تعاون الأسد مع الدول البارزة لضمان الاستقرار في لبنان، وفي المقابل يرى الرئيس السوري أن ثمن الاستقرار هو وقف عمل المحكمة. وليس واضحاً ما اذا كان الأسد سيعيد النظر في موقفه وفي حساباته في ضوء ما قاله له ساركوزي وما سمعه من زعماء ومسؤولين عرب ودوليين في الفترة الأخيرة".