#adsense

في الأداء وأحواله

حجم الخط

يخبط الناس في زمن الفوضى خبطاً مألوفاً ومعروفاً. ويخبط السياسيون في زمن الجدل والنقاش والمحاججة على النسق ذاته. وفي الحالتين يكثر الارتباك.
أمر معروف في الإجمال. ويحمل في أحيان كثيرة مخاطر غير محسوبة. غير أن الارتباك القائم في بعض تصريحات قوى الثامن من آذار عموماً و"حزب الله" خصوصاً يبدو تعبيراً عن منحى أبعد مدى من مجرد "ارتباك" محكوم بسقف سياسي ممنوع تخطيه.

ظواهر ذلك تتوالى في هذه الأيام العجاف. واستناداً الى المعلن والمُذاع والمقروء يمكن الدخول في الشرح والتفسير والتعليل. بحيث إن أحداً لا يمكنه أن يغضّ النظر عن الكلام الذي قاله الرئيس بشار الأسد بالأمس في الدوحة وجاء تكراراً لكلام سابق عن المحكمة الدولية ويعني في محصّلته أن موقفه مناقض الى حد بعيد جداً لمواقف "حزب الله" وبعض حلفائه.

فهذه المحكمة في ذلك الكلام ليست مشبوهة ولا ملتبسة ولا إسرائيلية ولا أميركية أو فرنسية، بل هي كادر إطاري قضائي مهني صادر عن أعلى هيئة شرعية دولية وإذا قامت بما عليها وقدّمت أدلة اتهامية وليست ظنيّة ووقائع وحيثيات ثابتة وقاطعة، فإن أحداً لا يمكنه الوقوف في وجهها.

الموقف المعلن من قبل "حزب الله" وبعض حلفائه معاكس تماماً. وهو تدرّج في الفترة الأخيرة الى حد أن يكون قطعياً وحاسماً: المحكمة إسرائيلية أميركية بنت حرام، ولا شأن لنا بها ولا شأن لها بنا. ونقطة على السطر. إنتهى النقاش!

هذا ليس تعبيراً عن ارتباك بسيط، بل هو أمرٌ محوري وكبير.. طرفان حليفان تكتيكياً واستراتيجياً ينظران الى المحكمة و"هويتها" و"وظيفتها" و"دورها" بطريقة متناقضة جذرياً.

وتمكن تحت ذلك العنوان العريض، ملاحظة عناوين فرعية محلية كثيرة. بحيث أن "الأداء" السياسي المعلن للرئيس نبيه بري مثلاً، لا يبدو بدوره مطابقاً لأداء الأخوة في "حزب الله" من جملة قضايا أبرزها وأهمها بطبيعة الحال قضية المحكمة. والسلسلة تطول لتطوق أيضاً مواقف النائب سليمان فرنجية وغيره!
.. بديهي القول أن لا أوهام في شأن متانة العروة الرابطة بين حلفاء 8 آذار ودمشق. ولا "عباطة" في هذا المقام ولا من يحزنون. غير أن الأمر برمّته يُوصل من جديد الى طرح سؤال كبير وأساسي عن تفاصيل "الأداء" السياسي اليومي لـ"حزب الله" وقيادييه ونوابه في الشكل والمضمون على حد سواء.

في محاولة الجواب، تأتي خبريات كثيرة لا تسرّ الخاطر. لا عند المعلن ولا عند المتلقي. ولا ينفع التبرير القائل مثلاً (في موضوع المحكمة) أن سوريا دولة ولها اعتباراتها وحساباتها ومصالحها، في حين أن "حزب الله" هو.. حزب واعتباراته مختلفة! هذا ليس تبريراً مقنعاً. هذا تبرير غير مقنع لقصور واضح، ومحاولة إعطاء تفسيرات وهمية لحقائق لا تُجادل!

وبالعربي الفصيح والصريح: ما الذي كان يمنع "حزب الله" من تلبّس الموقف السوري من المحكمة والحياكة على المنوال نفسه! وما الذي كان يصدّه ويمنعه من إطلاق مواقفه برزانة وهدوء ورويّة وبُعد نظر؟ وما الذي كان يمنعه في الأساس من تلقّف اليد التي مُدّت إليه في ليل باحثة عن غطاء مشترك لستر الآتي؟ وما الذي دفعه ويدفعه الى إعلان الحد دائماً وأبداً، وفي كل صغيرة وكبيرة وشاردة وواردة، وإقفال الباب على نفسه قبل أن يقفله في وجه الآخرين: إما أن تفعلوا ما نريد، وإما الخراب وعود الثقاب والبلايا والكوارث والخطايا!… والنتائج حتى اللحظة وفي كل قضية مركزية ومحورية، جاءت معاكسة تماماً لما أراده. ولا حاجة هنا الى التذكير بتلك القضايا المركزية والمحورية على مدى السنوات الماضية، لكن تبقى المحكمة والقرار الاتهامي (راهناً) في مقدمها!

نهاية البيان وفحواه هو أن أداء "كارثياً" في السياسة ومشتقاتها، وفي اللغة وأصولها وآدابها، لا يزال يتحكم بحزب يُفترض، بحكم حجمه وتشعبه واستهدافاته، أن يكون غير ذلك.. ولا أخفي مثلاً أنني في أحيان كثيرة كثيرة كثيرة، لا أعرف الفرق بين أدائه وأداء طبّال سياسي كل عدّته هي الشتم والتهديد بقوة غيره!
المعضلة كبيرة وفي المضمون والمشروع قبل أن تكون في الشكل واللغة.. والله يستر!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل