"واذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا"
المتنبي
لفتتني مقالة لرئيس تحرير مجلة الشراع الصادرة في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، عنوانها "حزب الله بين الاستكبار والاستحمار"، يقول فيها ان "حزب الله" نجح في جعل الاستحمار والاستكبار وجهين لعملة واحدة في معرض تعليقه على ما قاله احد مسؤولي "حزب الله" عن: "ان الحزب الذي يملك القدرات الميدانية هو الذي يفرض الواقع السياسي الذي يريد!". مسوغاً بذلك لأميركا واسرائيل استكبارهما لأنهما تمتلكان القوة لذلك!
وللتأكيد على هذا التوجه، فقد صرح أحد كتاب "حزب الله" في مقالة في جريدة السفير نهار 14/12/2010 ما يلي: "يشدد حزب الله على ان المقاومة خط أحمر، وقبول رموز الفريق الآخر باتهامها واستهدافها، عبر تغطية المحكمة والقرار الاتهامي، سيكون تجاوزاً للخطوط الحمر مع ما سيرتبه ذلك من تداعيات، "وعندها ليحصل ما يحصل ولينتصر الأقوى!"، أما من يتوهم انه يستطيع ان يعتدي على "حزب الله" باتهام باطل ومزور من دون ان يتوقع رداً قاسياً من وزن الاعتداء، فعليه ان يراجع حساباته وان يعلم ان يد الحزب ستكون مطلقة في التصرف.
كل هذا يعني ان ما يريد ان يخبرنا به "حزب الله" بأن زمن الاعتماد على العدالة قد ولى، وأن ما ينتظره اللبنانيون هو اعتماد شريعة الغاب من قبل ميليشياته ليفرضوا شروطهم على المجتمع الدولي، من خلال أخذ المواطنين اللبنانيين كرهائن. كما ان هؤلاء "الأسود" لم يتورعوا عن الاشارة إلى أن قوات "اليونيفيل" سوف تكون أيضاًَ جزءاً من الرهائن، لأن خطوط امدادها وقدرتها على التنقل مسيطر عليها من قبل هذا الحزب.
هذا كله يعني ايضا ان سيناريو السابع من أيار ما كان الا مثلاً عما قد يقوم به "حزب الله" لفرض استبداده على جميع اللبنانيين، والغاء ارادتهم واجبارهم على اعلان رفضهم العدالة في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وقبولهم بمبدأ التفلت من العقاب كقاعدة شرعية لشريعة "حزب الله" المستقاة كما يبدو من قوانين الطبيعة التي سبقت كل الشرائع السماوية والشرائع الانسانية.
بالمحصلة، ان ما يقوله ويرتكبه "حزب الله" مستند على قاعدة واحدة هي ان من يملك عناصر القوة وجب عليه ان يفرضها بغض النظر عن منطق الحق والقانون والعدالة، وهذا يعني ان "حزب الله" يضع نفسه مباشرة في خانة "المستكبرين" وهذه بالذات احدى صفات "الشيطان الأكبر".
وما يريد ايضا "حزب الله" ان يقول للجميع، هو انه ان اردتم مواجهتي فما عليكم الا ان تبحثوا عن عناصر القوة، من خلال نسج تحالفات مماثلة لما نسجناه، قادرة على تسليحكم وتمويلكم، لكي يتحول لبنان من جديد ساحة للدمار والدم كما حدث في الحروب العبثية السابقة. وبالمحصلة، فان قيادات "حزب الله" المنتفخة رؤوسهم والمستكبرين قولا وتعبيراً، لا بد لهم من ان يتذكروا، وأشك ان الذكرى تنفعهم، بأن منطق فائض القوة والجبروت لم يكن يوماً دائماً عبر التاريخ، وما لهم الا ان يأخذوا العبرة من زملائهم النازيين الذين اعتقدوا يوماً ان القوة الحاسمة وحدها قادرة على ضرب حرية الناس الى ان أدخلوا العالم بأجمعه في محرقة الحرب العالمية الثانية وبالنتيجة لم يبق من الحكم النازي الا سيئ الذكر.
واليوم نقول لـ"حزب الله" ولقادته، أنتم قد تتمكنون من حسم بعض الأمور في ساعات أو أيام، ولكن القضاء على ارادة شعب بأكمله هو من المستحيلات التاريخية.
ونقول أيضا لأخوتنا الذين يسميهم "حزب الله" جمهوره، بأن يرفضوا الاغراء بوهم الاستكبار الذي سيستدرج الجميع الى المحرقة التي قد لا يبقى بعدها من يندم على استكباره.