في وقت نحن أحوج ما نكون فيه الى مزيد من اللحمة الوطنية والتفاهم والانصهار الوطني بدلاً من الاتهام والتجني والتهويل والوعيد والتهديد بالويل والثبور وعظائم الامور، يطالعنا السيّد حسن نصرالله باقتراح يقول فيه "اتركونا نحن نتعامل مع المحكمة الدولية ومع المجتمع الدولي".
نعم، هكذا وبكل بساطة قال الامين العام لـ"حزب الله"، وكأن لبنان لطائفة أو لزعيم، وليس للبنانيين جميعاً.
مؤسف أن يصدر مثل هذا الكلام عن قائد المقاومة الذي عرفنا فيه دقته في التعبير، ووضوحه في المعنى، وتأنيه في التصريح.
نعم، هكذا وبكل بساطة، وكأن لا هيئات دستورية ولا مؤسسات ولا دولة بمفهوم الدولة موجودة أو قائمة، فهل الخلاف تجاه المحكمة كامن في طرف واحد، أم أنه خلاف بين فئة تنتظر إصدار المحكمة قرارها الظني ليبنى على الشيء مقتضاه، وفئة أخرى وضعت نفسها في خانة الاتهام قبل صدور القرار الاتهامي، باعتمادها التسريبات الغربية والاسرائيلية تحديداً، لتعيش هاجس القلق، فتبدأ بالدفاع عن نفسها، واضعة فرضيات ما أنزل الله بها من سلطان، وبادئة بتحدّي المجتمع الدولي وقراراته حتى قبل صدورها، معلنة العصيان، ومتداولة مفردات الحرب، غير آبهة بما يسببه ذلك من حال هلع وذعر لدى اللبنانيين من غدهم القريب.
يا جماعة، انتظروا قليلاً، ليذوب الثلج ويظهر المرج، فلا قرار اتهامياً مقنعاً إن لم يكن مبنياً على قرائن وأدلة دامغة، فاللبنانيون ليسوا سذجاً ليؤخذوا بأقاويل من هنا، وتسريبات من هناك، وفرضيات من هنالك.
أما قول السيّد حسن عن المحقق الدولي ديتليف ميليس ونائبه غيرهارد ليمان، إنه كان يبيع الوثائق الخاصة بالتحقيق بـ50 و70 ألف دولار، بينما طلب فيها من "حزب الله" مليون دولار، فلماذا ارتفع السعر يا ترى؟
وقال أيضاً ربما أخطأنا لأننا لم نشتر!
فهل عدم الشراء خطأ؟
وهل أصبح لدى "حزب الله" تراكم أخطاء منذ ما قبل تموز 2006 الى اليوم؟
ذكرني هذا الكلام بقول السيّد حسن بعد الكارثة التي خلفها عدوان اسرائيل في تموز 2006 بعد خطف الجنديين الاسرائيليين "لو كنت أعرف أن الاختطاف سيجلب هذه الكوارث لما فعلت"!
وغداً على ماذا سيندم الحزب، وما هو الموقف الذي سيضع نفسه فيه ليعود أمينه العام ويقول لو كنت أدري أو أعرف لما فعلت.
علماً، أن حرب تموز لم تصب فئة واحدة من اللبنانيين، ولا جزءاً من الارض اللبنانية، بل أصابت اللبنانيين جميعاً، بشرائحهم كافة، ودمرت جزءاً كبيراً من البنى التحتية، وقتلت أكثر من خمسة آلاف بينهم حوالى ألف من "حزب الله"، فهل يا ترى كانت تلك الحرب على "حزب الله" وحده، أم على الوطن كله؟
ومع هذا يقول السيّد حسن "اتركونا، نحن نتعامل مع المحكمة الدولية والمجتمع الدولي".
ونود أن نسأل السيّد حسن من عطل أعمال الحكومة، وشل مرافق الدولة، بسبب ما يسمى بـ"الشهود الزور"، واستخدم هذا الملف أداة للضغط السياسي؟
ولماذا بعد سنوات أربع اكتشف الحزب فجأة أن هناك شهوداً زوراً؟
أما في سياق حديثه عن الحملة الوقائية منذ شهرين لتحسين وضع صورة الحزب لدى الطائفة السنية، نسأله هل اتكل على النائب وليد سكرية في ذلك، وهو القائل "لنفترض أن «حزب الله» قتل الحريري فأين المشكلة"؟
هكذا وبكل بساطة "أين المشكلة"؟
أو اتكاله على ميشال عون لدى المسيحيين، وهو الذي قال يوماً بأنه سوف "يكسر رأس حافظ الاسد"؟
أم مع أقرب المقرّبين إليه العميد المتقاعد فايز كرم الذي أدين بالتعامل مع إسرائيل؟
على من يعتمد "حزب الله" في تحسين صورته؟
مهلاً يا سيّد حسن، ما هكذا عهدناك تجافي الحقائق، ولا عرفناك تبتعد عن المنطق، فالقليل من التروّي، والقليل من الصبر، والكثير من التمعّن في بواطن الامور مع شركائك في هذا الوطن للوصول الى بر الامان، والالتفاف لجبه مفاعيل القرار الاتهامي في حال طاولت لبنان واللبنانيين بالاذى.