الثابت الذي يمكن استنتاجه من كل خطابات الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله أن هذا الرجل فقد كل بريقه الذي كان بناه طوال أعوام، لا بل وصل الى حدّ ملّ منه اللبنانيون وكل العرب.
هذا في الشكل. أما في المضمون، فخطابان في أقل من 24 ساعة لم يقدّما أي جديد، بل حفلا بسلسلة من التناقضات التي لا تعدّ ولا تحصى.
لا نريد الغوص في ردود تفصيلية، فالرأي العام ملّ من إطلالات نصرالله، والتي قبل كل إطلالة كان ثمة من يسوّق بأنها ستحفل بمفاجآت وستغيّر مسار الأمور الخ… فإذا بإطلالاته تتحوّل تكرارا أسطوانة مملة لا جديد فيها، وعزفا على وتر رفض المحكمة الدولية والمطالبة بإلغائها.
لكن ثمة نقطتين يجدر التوقف عندهما في الإطلالتين الأخيرتين:
ـ الأولى قول السيد نصرالله: "نؤكد حرصنا على هذا البلد الغالي الذي قدمنا من أجل تحرير ترابه أعز الشهداء وسنبقى في هذا الموقع المستعد دائماً للتضحية من أجل سلامة هذا البلد وسيادته وبقائه".
وفي هذا الكلام تناقض فاضح مع كل محاولات إثارة الفتنة والحديث عنها في كل الإطلالات منذ شهر آب الماضي على الأقل. فكيف يدّعي الحرص على البلد من يهدّد أبناءه بـ70 مرة 7 أيار، ومن يعتبر 7 أيار يوما مجيدا، ومن يقترف ما اقترفه في برج أبي حيدر، إضافة الى الحوادث التي لا تحصى من اغتيال النقيب الشهيد سامر حنا الى مسألة اختطاف جوزف صادر والتي يتحمّل "حزب الله" مسؤولية اختفائه بشكل منطقي بغض النظر عن التفاصيل، الى حوادث الثلثاء الأسود، الى حرب تموز وآثارها المدمّرة تحت شعار "لو كنا نعلم"!
فبالله عليكم أين الحرص على البلد وأبنائه في كل ذلك؟!!!
ـ والنقطة الثانية دعوته قوى 14 آذار من دون أن يسمّيها الى الوقوف على الحياد في المعركة التي يشنها على المحكمة الدولية لإلغائها. وهنا بيت القصيد لأن السيد حسن يخطئ كثيرا في تقدير موقف قوى 14 آذار في هذا الموضوع تحديدا.
قوى 14 آذار هي أمّ الصبي في موضوع المحكمة الدولية، ولا يمكن أبدا أن تكون على الحياد. قوى 14 آذار هم أهل الشهداء وأبناؤهم ورفاقهم وعائلاتهم وعموم اللبنانيين الذين كانوا يذبحون كل يوم على الطرقات منذ 1 تشرين الأول 2004.
قوى 14 آذار هم جمهور مروان حمادة، رفيق الحريري، باسل فليحان، سمير قصير، جورج حاوي، الياس المر، مي شدياق، جبران تويني، بيار الجميّل، وليد عيدو، أنطوان غانم، وسام عيد، وكل شهداء الجيش اللبناني في نهر البارد وما تلاه من استشهاد فرنسوا الحج وسامر حنا، وكل من سقط على الطريق ضريبة وكل من سقط على الطريق ضريبة إضافية على مائدة الإجرام.
لأجل قوى 14 آذار أنشئت المحكمة، ولأجل لبنان. لحماية كل من بقي حيّا من عمليات التصفية والاغتيال ومحاولات الاغتيال.
لا يا سيّد. لسنا أبدا على الحياد في أي معركة ضد المحكمة الدولية. إذا شئتها معركة على المحكمة، وأنت أعلنتها، فأنت تريدها معركة على أكثرية اللبنانيين، ونحن في قوى 14 آذار سنكون رأس حربة في الدفاع عن المحكمة، لأننا ندافع بذلك عن لبنان وعنه وجودنا الحرّ والكريم فيه، بحيث لا نكون أهل ذمّة ولا خاضعين لولاية الفقيه، أي فقيه، مهما علا شأنه.
إن المؤامرة التي تتحدّث عنها يا سيّد، إن وجدت لا سمح الله، فهي ستكون حتما نتاج يديك وإصبعك الذي ترفعه في وجه اللبنانيين ليخضعوا صاغرين… وهم لن يفعلوا.
المؤامرة، إن وجدت لا سمح الله، هي حين تهدّد أكثرية اللبنانيين ومؤسسات الدولة ورؤسائها وقياداتها الأمنية والقضائية والسياسية ساعة بأن ما بعد القرار الظني لن يكون كما قبله، وساعة أخرى بأن "لكل حادث حديث" بعد القرار الظني وبإعطاء مهل وإنذارات…
ولكن، كل ذلك لا ينفع معنا. لا شيء لدينا لنخسره أكثر مما خسرناه. وهل أغلى من الذين سقطوا؟
لذلك، نكرّر مرة جديدة: نحن متمسكون بالمحكمة أكثر من أي وقت مضى، مهما علا الصراخ، ومهما كثر التهديد والتهويل. ولن نستسلم ولن نستكين حتى إحقاق العدالة لكل شهدائنا، ولنا نحن الأحياء لأننا سنبقى مشاريع شهداء طالما لم تتحقق العدالة المنشودة.