#adsense

البدائل الدستورية لمواجهة التعطيل الوزاري

حجم الخط

اعداد الخبير القانوني المحامي جورج ابو صعب: ازاء نهج التعطيل الذي تعتمده كتلة وزراء "8 اذار" في جلسات مجلس الوزراء على خلفية الابتزاز السياسي الواضح الموجه منهم ضد كل من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، تبرز بدائل دستورية لتسيير عمل المرافق العامة في البلاد ومتابعة شؤون المواطنين والبلاد، اهمها:

اولا : من اختصاصات رئيس مجلس الوزراء الدستورية:
1- عملا باحكام المادة (64) من الدستور الفقرة (8) منها، لرئيس مجلس الوزراء عقد جلسات عمل مع الجهات المعنية في الدولة بحضور الوزير المختص. ما يعني ان لرئيس الحكومة الحق الدستوري في متابعة قضايا الدولة والوزارات مع الوزراء المختصين في جلسات منفصلة ومتخصصة واجتماعات عمل مركزة تمكنه من متابعة شؤون البلاد وقضايا المواطنين لان مجلس الوزراء ليس الاطار الدستوري الوحيد لممارسة رئيس الوزراء اختصاصاته الدستورية .

فإن استدعى وزيرا مختصا لحضور اجتماع متخصص وفقاً لاحكام الفقرة (8) ولم يحضر، فإن لرئيس الحكومة الحق الدستوري بصفته رئيس الحكومة وممثلها والمسؤول عن تنفيذ السياسية العامة بموجب المادة (64) من الدستور ان يحمله مسؤولية تقصيرية ووظيفية بحيث يحيله الى التفتيش المركزي كون الوزير والى جانب صفته السياسية ذات صفة وظيفية ادارية عامة اجمعت نظريات القانون الاداري على الاقرار بها – مع فارق واحد هو عدم انضوائه في ملاك موظفي الدولة (ENCYCLOPEDIE DALLOZ – REP.ADMINISTRATIF- V- MINISTRES – MINISTERES nos 1 et suiv.) وصولا الى اقالته بموافقة ثلثي الحكومة بمرسوم يوقعه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

2- عملا باحكام الفقرة (7) من المادة (64) من الدستور لرئيس الحكومة صلاحية متابعة اعمال الادارات والمؤسسات العامة والتنسيق بين الوزراء واعطاء التوجيهات العامة لضمان حسن سير العمل: ما يعطي الرئيس الحريري مروحة واسعة من التحرك الوزاري في متابعة امور الشعب والدولة من خلال ممارسة صلاحيته الدستورية. فله حق التدخل في مراقبة اعمال الوزارات والادارات العامة والاشراف عليها وتفحص اعمالها ومتابعة تصديها لشؤون وشجون المواطنين الى ما هنالك. فهو رئاسياً رأس السلطة الاجرائية المتمثلة بمجلس الوزراء، وله بالتالي صلاحيات رئاسية عرفية ودستورية لا يمكن لاحد تجاهلها بغض النظر عن نطاق النصوص ومداها (مراجعة الدكتور ادمون رباط – الوسيط في القانون الدستوري اللبناني – ص 794 وما يليها).

3- المجلس الوزاري: لرئيس مجلس الوزراء او رئيس الحكومة بحسب اعراف الجمهورية الثالثة الفرنسية – صلاحية عقد اجتماعات عمل بين الوزراء بما يعرف بمصطلح المجلس الوزاري conseil de cabinet الذي مهد له النص الدستوري اللبناني الحالي بمجرد الاشارة الى صلاحية رئيس مجلس الوزراء في الفقرتين (7) و(8) من المادة (64) من الدستور – وايضا من خلال اشارة الفقرة (2) من المادة (65) من الدستور الى صلاحيات مجلس الوزراء كسلطة اجرائية في السهر على تنفيذ القوانين والانظمة والاشراف على اعمال كل اجهزة الدولة من ادارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وامنية بلا استثناء. ما يعني ان مجلس الوزراء الذي يملك هذه الصلاحيات ممثل برئيسه الذي يجب عليه ان يتولى اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتنفيذ هذه الفقرة بما له من سلطات رئاسية على مجلس الوزراء صاحب السلطة الاجرائية دستوريا ولو اتسمت الاجراءات بطابع سياسي فقط، الا ان لاتخاذها تأثير مباشر ايجابي على سيرورة العمل الحكومي وضمان استمرار المرفق العام واستمرارية العمل الحكومي.

4- وعملا باحكام المادة (64) من الدستور يبقى ان لرئيس الحكومة الحق في دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد ووضع جدول اعماله – وان كان من سيلبي الدعوة هم وزراء الغالبية النيابية وحلفاؤهم فقط – مع تحميل الوزير المتغيب مسؤولية غيابه الى اي جهة سياسية انتمى – لكن بالطبع ثمة من سيقول ان استعمال هذه الاختصاصات من قبل رئيس الحكومة ستصب الزيت على النار السياسي المحتدم. ولكن في النهاية، ثمة دستور وقوانين ونصوص لضمان استمرار سير المرافق العامة وشؤون وشجون الموطنين وعلى رئيس الحكومة مسؤولية تأمين استمرار المسيرة الحكومية رغم كل العقبات – فلماذا يشل تحركه؟ ولما التنكر لصلاحياته؟

5- يبقى لرئيس مجلس الوزراء الحق الدستوري في مساءلة الوزير المستنكف عن حضور جلسات مجلس الوزراء او المستنكف عن بحث ملفات وشوؤن المواطنين في مجلس الوزراء، لان الوزير له صفة وظيفية ادارية يحال ويحاسب على اساسها من قبل رئيس الحكومة كما صار تبيانه.

ثانيا : في المسؤولية الدستورية على الوزراء المعرقلين لمجلس الوزراء:
1- عملا باحكام المادة (66) من الدستور، يتولى الوزراء ادارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الانظمة والقوانين كل بما يتعلق بالامور العائدة الى ادارته وما خص به. فكل وزير يختص بادارة وزارته ما يضفي عليه الصفة الوظيفية الادارية بجانب صفة الوزير البرلمانية والسياسية، وبالتالي فان تولي وزارته يفرض عليه متابعة امورها وملفاتها وطرحها على مجلس الوزراء صاحب السلطة الاجرائية لعرض الانظمة ومشاريع القوانين والمراسيم كي تستطيع وزارته الاقلاع في مهامها – وبالتالي ان رفض وزراء "8 اذار" البحث في اي موضوع قبل بت موضوع ما يسمى بشهود الزور خرق للدستور وتقصير اداري وظيفي فاضح لان مصالح الدولة مناطة بهم كل في وزارته ومتابعتها وصونها وتطويرها منوط بهم من خلال مشاركتهم جلسات مجلس الوزراء وعرض قضايا وزاراتهم ومشاريعها على المجلس وملاحقتها بما لهم من سلطة وزارية وسياسية.

2- عملا باحكام الفقرة الاخيرة من المادة (66) يتحمل الوزراء جماعيا تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة ويتحملون افراديا تبعة افعالهم الشخصية: ما يعني ان افعال وتصرفات الوزراء خاضعة لرقابة ومحاسبة البرلمان (مجلس النواب) لان كل وزير يتحمل تضامنا مع سائر الوزراء تبعة سياسة الحكومة العامة وبموجب الدستور فان النائب خاضع للمساءلة وصولا الى طرح الثقة بالوزارة جماعيا او بوزير محدد افراديا بحيث ان مجرد ان يقر مجلس النواب عدم الثقة باحد الوزراء يوجب على هذا الوزير الاستقالة (مادة 68) من الدستور.

كل هذا لنشير الى ان الوزير في معرض تصرفاته ومواقفه مقيد بالنص الدستوري متى ما تحول تصرفه الى مخالفة واضحة للدستور كمثلا رفض البحث في ملفات السياسة العامة للدولة ورفض متابعتها ومناقشتها في مجلس الوزراء تحت اي حجة واي سبب او مبرر – وعندها يجب ان يعرف الوزير وان يشعر بعبء المساءلة والمحاسبة البرلمانية نتيجة افعاله.

3- ان رفض وزراء "8 اذار" البحث في ملفات وشؤون الشعب والدولة قبل بت اي ملف بالاولوية مهما كان هذا الملف – هو هرطقة دستورية واضحة المعالم والنتائج قد ترقى الى مستوى الخيانة العظمى. فأي اخلال بالواجبات المترتبة على الوزير بموجب المادة (70) من الدستور ومنها واجب الوزير التصدي لشؤون الدولة والمواطن من خلال وزارته المولى عليها ما يرتب عليه مشاركته الفعالة في السلطة الاجرائية المتمثلة بمجلس الوزراء، يوجب محاكمة هؤلاء الوزراء امام المجلس الاعلى بقرار اتهام من مجلس النواب (وهنا قطبة الرئيس بري الواضحة) بغالبية ثلثي مجموع اعضاء المجلس. وفي حال عدم التئام المجلس (لمنعه مثلا من الرئيس نبيه بري) يمكن للثلثين ان يجتمع في اي مكان اخر (المجلس سيد نفسه) برئاسة نائب الرئيس (بموجب ما له من صلاحيات في النظام الداخلي لمجلس النواب عند تعذر حضور الرئيس او عدم حضوره). فالعبرة ان الوزير الذي يستنكف عن ادارة شؤون وزارته واتمام موجباته المترتبة عليه بحكم منصبه الوزاري ومنها معالجة شؤون الدولة والمواطن في مجلس الوزراء وتقديم اقتراحات ومشاريع لتصديقها من الحكومة، هو وزير يعرض نفسه لمسؤولية دستورية كبيرة تبدأ بمساءلته في مجلس النواب وطرح الثقة به وصولا الى ارتكاب الاخلال بالوظيفة والى حد كبير خيانة عظمى يوجبان محاكته امام المجلس الاعلى.

ثالثاً: في المسؤولية الدستورية على البرلمان عن محاسبة الوزراء:
انطلاقا من الصلاحية المعطاة لرئيس مجلس الوزراء في اعداد جدول اعمال جلسة مجلس الوزراء، فان الوزراء مقيدين بجدول الاعمال هذا وبامكانهم طلب ادراج مواضيع وزاراتهم ومشاريعهم وبرامجهم لمناقشتها والتقرير بشأنها. ولكن لا يحق لهم فرض جدول اعمال على رئيس المجلس كفرد اولويات بنود او مواضيع كما يفعلون بموضوع ما يسمى شهود الزور – وبالتالي واذا عدنا الى الفقرة (1) من المادة (65) من الدستور مجلس الوزراء يتخذ القرارات اللازمة لتطبيق مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية ما يعني ان ادارة الدولة في مجلس الوزراء تتم عبر حضور كل الوزراء وبحث كافة المواضيع المدرجة على جدول اعمال الجلسات لاتخاذ القرارات. فامتناع وزراء "8 اذار" عن مناقشة كل بنود جدول الاعمال المثقل تراكميا بمئات المشاريع والقوانين والبرامج التي هي بحاجة لاقرار كي تسير عجلة الدولة والمصالح العامة لها، يعدّ خرقا للدستور وتجاوزا لحد السلطة يؤدي الى اسقاط الحكومة او الوزراء المعتكفين عن القيام بمهامهم من صفتهم الوزارية واحالتهم للمحاسبة كما اسلفنا اعلاه.

من هنا، فان دور مجلس النواب ونواب الامة كبير واساسي للتصدي الفعلي لهؤلاء الوزراء: من خلال ما نصت عليه المادة (37) من الدستور ان حق النائب (وليس المجلس كله مجتمعا او جماعيا ) في طلب عدم الثقة مطلق في العقود العادية وفي العقود الاستثنائية… ما يعني ان على نواب الامة قدرة دستورية في اسقاط اي وزير متخلف او رافض لتحمل مسؤولياته الوزارية والدستورية – ما يعني اهمية ان يتحرك نواب الاكثرية مثلا للبدء بحملة محاسبة وزراء "8 اذار" وصولا الى طرح الثقة بهم اذا اقتضى الامر بمعزل عما قد يترتب على استعمال هذه الصلاحية من ازمات سياسية او تشنجات اضافية لم يعد بالامكان التذرع بها لترك البلاد في المجهول والشعب في مهب الرياح.

والجدير التذكير به ان المادة (68) من الدستور الزمت الوزير الذي يقرر مجلس النواب عدم الثقة به بالاستقالة. والزمت المادة (72) منه الوزير بالكف عن العمل فور صدور قرار الاتهام بحقه من مجلس النواب وفقا لاحكام المادة (70) من الدستور.

في الختام: ليس صحيحا من ناحية دستورية اقله ان ارادة وزراء "8 اذار" بشل اي بحث في اي ملف قبل بت موضوع ما يسمونه "شهود زور" يشل الحكومة ويشل الدولة – بل الصحيح ان بامكان عجلة الدولة ان تستمر ولو بوتيرة ابطأ بشرط ان تستعمل كل سلطة ويستعمل كل صاحب سلطة دستورية صلاحياته وفقا للنص.

انها بدائل الحكم الدستوري الذي نضعها بتصرف الرأي العام اولا والمسؤولين ثانيا علنا نكون بذلك قد اسهمنا في تعطيل ارادة التعطيل … لكن المهم ان نحترم النصوص الدستورية ونطبقها كما هي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل