#adsense

أرعبهم قلمه فكسروه (عبدو شامي)

حجم الخط

كثيرون هم شهداء الكلمة الحرة والرأي والتعبير في لبنان، لكن تبقى لسيرة وشهادة الاستاذ جبران تويني مكانة مميزة وتحية خاصة.

تعرفت الى هذا الصحافي الحر من خلال كتاباته واطلالاته الاعلامية، وقد كرس صوته وقلمه لمقاومة الوصاية السورية والتدخل السافر في الشؤون اللبنانية الداخلية والخارجية.

وبالنسبة لي، يبقى في طليعة انجازات جبران تويني السياسية والصحفية التي كانت حافلة بالمغامرات، تأسيسه ملحق "نهار الشباب" عام 1993، فاتحا امام الشباب فسحة حرة للتعبير عن مشاكلهم وآرائهم في القضايا السياسية والاجتماعية بحرية ندرت في ذلك الوقت وعزّت في تلك الحقبة السوداء. ولا ععب في ذلك، فقد كان جبران مؤمناً بأن الشباب هم ثروة لبنان الحقيقية، وان استسلام شباب لبنان وحده ينهي لبنان.

ولعل احدى أكثر النقاط اضاءة في سجل جبران الذهبي، مشاركته الفاعلة في "لقاء قرنة شهوان" الذي اسّسه المسيحيون الاستقلاليون في نيسان من العام 2001، وعرف بالمواقف المتشبثة بالحرية والسيادة والاستقلال، وتصحيح العلاقات اللبنانية-السورية، في مواجهة من كانوا يكرّرون يوميا معزوفة: "وحدة المسار والمصير"، ويبررون لـ"القوات السورية" وجودها في لبنان على انه "شرعي وضروري وموقّت". وقد شكل هذا اللقاء احد مظاهر الترجمة العملية لنداء المطارنة الموارنة التاريخي في 20 أيلول من العام 2000، الذي طالب بشكل واضح وصريح بالانسحاب السوري من لبنان.

في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ لبنان، كان جبران في مقدّم الأحرار والمحرِّض الأوَّل على السيادة والحرية والاستقلال، من خلال افتتاحياته الشهيرة، ولا سيما الكتاب المفتوح الذي وجهه من خلال مقالاته الى الرئيس السوري بشار الأسد.

كانت مقالات هذا الصحافي الحر تنقض على رؤوس مخالفيه واخصامه كالصواعق، ليس لاعتماده اسلوبا هابطا متخما بالتجريح والقدح والذم والنيل من الكرامات، انما بسبب مدرسته المميَّزة في الصحافة التي لا تؤمن بالاستدارة والخنوع والمسايرة والمداهنة والمجاز والإيحاء، بل تُصرُ على وضع الإصبع على الجرح قائلة للأبيض أبيض وللأسود أسود، بأسلوب مفعم بالحرية والعنفوان والشجاعة من دون مواربة.

ومما يلفت النظر في حياة جبران، قوّة ايمانه بقضيته وصلابة عقيدته الوطنية بضرورة الاستمرار في الكفاح حتى النهاية مهما كلف الامر من تضحيات. وفي هذا السياق، يحضرني قوله في احدى الندوات عندما سأله احد الطلاب: "جرأتك تخيفنا ألا تخيفك؟"، فأجاب جبران: "اخترت ان اكون صحافيا لأقول الحق وكي لا اخاف، واعرف اني اخاطر ولا آبه، تماما كالعسكري الذي يناضل على الجبهة". نعم، كان جبران يناضل على الجبهة ايمانا منه ببزوغ فجر الاستقلال الثاني وسطوع شمس الحرية يوما ما.

في 14 شباط 2005، اغتيل الرئيس رفيق الحريري وانطلقت شرارة "انتفاضة الاستقلال" التي كان جبران نبضها الحقيقي ومن الممهدين لها والعاملين على تسعير نارها لكي تحرق بلهيبها آثار 30 عاما من القمع والاحتلال والاستغلال، مضيئة لثوار الارز طريقم نحو الحرية والسيادة والاستقلال.

في 14 آذار2005، ظلل العلم اللبناني ساحة الحرية التي احتضنت تظاهرة تاريخية مليونية؛ وكان أركان المعارضة يتوالون على المنبر لالقاء كلماتهم الاستقلالية الواحد تلو الآخر. نظر جبران من زجاج مكتبه في مبنى "النهار" الى ذلك الحشد المليوني الذي استفز قلمه وحسه الوطني، فأمسك قصاصة من الورق ودوّن عليها جملة معبرة جديرة ان تكون نشيدا وطنيا. توجه عريس "ثورة الأرز" نحو الساحة، فاعتلى منبرها وألقى كلمة معبّرة وختمها طالباً من الحشود أن يردِّدوا وراءه قسمه الشهير الذي استعر معه لهيب "ثوار الأرز"، وارتجّت به ساحة الحرية: "نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحَّدين، إلى أبد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم".

وهنا، لا يغيب عن ذاكرتي كم كان عريس ثورة الأرز متحمسا وصادقا ومتواضعا في قسمه، فقد رفض ان يكون مجرد ملقِّن للجماهير وأبى إلا ان يردّد قسمه معهم لكي لا يفوته شرف هذه المناسبة ونبل هذه المعاهدة، فأقسم مرتين وأقسموا مرّة واحدة.

هزت هذه التظاهرة أركان النظام الامني اللبناني – السوري المشترك، ودخل حلفاء سوريا في حالة انكفاء وترقُّب سياسي، وبدأت انتصارات ثورة الأرز ونتائجها الباهرة تتوالى، وانسحب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005.

لكن اعداء الحرية والسيادة والاستقلال لم يسمحوا لفرحة ثوار الارز بالاكتمال، فكرّت سبحة التفجيرات والاغتيالات واخذ مسلسلها فصولا دموية مرعبة؛ فاغتيل احد منظري ثورة الارز الصحافي الحر سمير قصير، واغتيل جورج حاوي، ونجا الوزير الياس المر من محاولة اغتيال بأعجوبة، وكذلك فراشة ثورة الارز الاعلامية مي شدياق التي فقدت طرفيها الأيسرين في 25 أيلول 2005.

كان جبران من أشد المتألِّمين والمصدومين من استهداف مي، فرفع الصوت صارخاً في وجه القتلة والمجرمين، وتحداهم على شاشات التلفزة قائلاً: "لماذا تعمدون إلى أذية فراشة؟! نحن السياسيين! اضربونا نحن! لماذا لا تجرؤون على ضربنا وتفجرون فراشة؟!".

تلقّى جبران معلومات جدية من لجنة التحقيق الدولية والأجهزة الأمنية اللبنانية تؤكد انه مهدد بالاغتيال، فرأى ضرورة الانتقال الموقت الى باريس ريثما تبرد الأجواء، فأخصامه باتوا يضمرون له الحقد الشديد في صدورهم، ويتحيّنون الفرص للإيقاع به اخمادا لذلك الصوت الداوي الذي صدح بالحق ولا سيما في ساحة الحرية في 14 آذار 2005، وذاك القلم الثاقب الذي الذي كان يقض مضاجعهم باستمرار لخرقه جميع الحواجز واسقاطه المحرمات تلو المحرمات.

لم يكتف المجرمون بنفيه الاختياري بل ارادوا المزيد، فكالوا الى جبران التهم وخوّنوه واطلقوا الشائعات المغرضة: "هرب من المواجهة" و"انشغل بقصة غرامية"، فاستفزوا حسه الوطني ووفاءه لقضيته، فقرر العودة الى بيروت متجاوزا كل محتمل من الغدر به بأي طريقة كانت، وما ذلك الا رغبة منه في متابعة المسير والاجتماع برفاق الثورة والتفاهم معهم على متابعة البرنامج النضالي. وكانت عودته في ذلك العهد المحموم والمشحون بالحقد وحب الانتقام من رجالات انتفاضة الاستقلال ومفكريها، عملا مغامرا جرئيا غير مستغرب من جبران تويني، وهوعمل ان دل على شيء فإنما يدل على صدق الوطنية ونبل الغاية التي يكافح من اجلها سواء كان في بلده او في المنفى القسري.

وجد المجرمون الفرصة سانحة للظفر به واسكات صوته وقلمه. فبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على عودته غير المعلنة مسبقاً من باريس إلى لبنان، امتدت يد الغدر والارهاب الى الصحافي الحر جبران تويني فاغتالته في 12/12/2010 اثناء توجهه بسيارته صباحا الى عمله في صحيفة "النهار"، في واحدة من أبشع عمليات الاغتيال واشدها إجراما، كشفت مدى الحقد الذي كان يضمره له مبغضوه الذين وزّعوا الحلوى وتبادلوا التهاني، ابتهاجاً بالخلاص من هذا القلم والصوت المدوي.

وهكذا، اختتم الشهيد حياته الصحفية والسياسية التي كانت في الواقع وقفا على عقيدته وايمانه، وحسبه ان يكافأ على ذلك باستشهاده في سبيل بلاده وقضيته، فاختتم حياته الصحفية والسياسية ضاربا المثل الأعلى في الاستشهاد والفداء، حتى صار مثالا لكل صحافي جريء. اما والده غسان وعائلته وبناته، فاستقبلوا حكم الموت وقدر الأحرار بشجاعة نادرة ورباطة جأش، معلنين بأعلى صوت ومن أعلى منبر: "جبران لم يمت والنهار مستمرة".

نعم، نجح الإرهابيون في كسر قلم جبران تويني الذي لطالما أرعبهم، واسكتوا صوته الذي قض مضاجعهم، لكنهم لم يتمكنوا من تجفيف حبره الذي ارتوت منه أقلام تلاميذه وزملائه ومحبيه، وامتلأت به محبرة كل صحافي حر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل