ان الجهود العربية وخاصة الـ "سين – سين" كما اصطلح على تسميتها – يساء يوماً بعد يوم فهمها لدرجة انها حملت اكثر مما تحمل – وفيما يأتي اثبات ذلك:
اولاً: المعول عليه لدى فريق "8 اذار" من الـ "سين – سين" وقف المحكمة الدولية او في احسن الاحوال اسقاط القرار الاتهامي العتيد، فيما هذا الطرح غير وارد في ذهن المملكة العربية السعودية ولا في اجواء قوى "14 اذار" والرئيس سعد الحريري لاصرارهم على المحكمة الدولية وعلى تركها تقوم بواجبها على ان يناقش القرار الاتهامي عند صدوره للتأكد من موضوعيته وصحته وقوة الاسانيد والادلة التي ستدين من ستدينهم، وبالتالي ان اول تفسير للـ"سين – سين" ساقط وغير واقعي.
ثانياً: المعول عليه لدى فريق "14 اذار" من الـ"سين – سين" ان تضمن متابعة المحكمة الدولية وتركها تقوم بعملها وتصدر قرارها الاتهامي مع ضمان سوريا الضغط على "حزب الله" لترك المحكمة تعمل من دون المزيد من التشويش عليها والهجومات والاتهامات – فيما قوى "8 اذار" ليست في وارد السماح للمحكمة بالاستمرار ولا في وارد القبول بالقرار الاتهامي – ما يعني ان الحلقة لهذه الجهة مقفلة تماما امام اي تحرك.
ثالثاً: قد يكون المعول من الـ"سين – سين" التوصل الى تأخير القرار الاتهامي اي كسب الوقت واللعب عليه من خلال تأجيل الاستحقاق او المشكلة الى ابعد اجل ممكن، الامر الذي ليس واقعيا لعدم تأثر المحكمة الدولية بأي طلب يردها من اي كان لتأخير او تأجيل بدليل التصريح الاخير لرئيس القلم في المحكمة عن قرب صدور القرار الاتهامي "قريبا جدا جدا".
رابعاً: ان غوصنا اكثر في تناقضات هذا الـ"سين – سين" نتوقف عند الحقائق الاتية:
1- سوريا لن تسمح ولن تقبل بأن يصدر قرار اتهامي يتهم المقاومة الحليفة لها باغتيال الرئيس رفيق الحريري – فالمقاومة على لسان اكثر من مسؤول سوري رفيع واولهم الرئيس بشار الاسد جازم في هذا الصدد – وبالتالي ان منطق سوريا في معالجتها موضوع القرار الاتهامي ينطلق من وجهة نظر"حزب الله" وقوى "8 اذار" الامر الذي يقف عائقا امام تقدم الجهد السعودي.
2- في الرابع من اذار 2005 رسم الرئيس بشار الاسد افاق التعقيدات اللبنانية الحالية عندما اعلن في خطابه انذاك – فور عودته من الرياض – امام مجلس الشعب السوري مشخصاً المشكلة في لبنان للمرحلة المقبلة بانها لم تكن في بند انسحاب الجيش السوري من لبنان بل اولا في بند المقاومة … ومنذ ذلك الحين وسوريا تنتهج خطا تحالفيا صلباً مع "حزب الله" وتعتبره خطاً احمر في السياسة السورية المحلية والاقليمية – واليوم ليس بوارد القبول بما يرفضه "حزب الله" ما يعني اصطدام الـ"سين – سين" بحائط مبدئي لن تستطيع تجاوزه في ظل موازين القوى الحالية في لبنان والمنطقة.
3- في خطاب اخر للرئيس الاسد في 22 كانون الثاني 2006 في مؤتمر المحامين العرب انتقد المطالبة بترسيم الحدود معتبراً بأنه "طلب اسرائيلي" يهدف الاضرار بالمقاومة – فإرتسمت ايضا منذ ذلك الوقت العلاقة الاستراتيجية التحالفية مع "حزب الله" والمقاومة والتي امتدت وتعززت الى يومنا – وتخللتها عشرات المواقف السورية منذ ذلك الحين المؤيدة والداعمة للمقاومة ولـ"حزب الله" ودوره في لبنان – فعلى هذا الاساس لا نرى كيف يمكن للـ"سين – سين" ان تقفز فوق هذه الحقيقة التحالفية الاستراتيجية خصوصا في ظل التحالف الاستراتيجي الاكبر بين سوريا والجمهورية الاسلامية الايرانية التي تجعل من "حزب الله" حليفاً لسوريا وليس تابعاً لها.
4- ان اقصى ما استطاعت سوريا منحه الى الان من ليونة تجاه المبادرات السعودية والاقليمية والاوروبية (وتحديدا الفرنسية ) موقف للرئيس السوري في دولة قطر بتاريخ 14 كانون الاول الجاري عندما قال: "ان سوريا لا تقبل اي اتهام من دون دليل " من دون ان يشير الى ما يمكن ان يكون موقف سوريا في حال تضمن القرار الاتهامي العتيد "دليلا ضد عناصر من "حزب الله" الحليف لسوريا "، ما يعني ان اقصى ما يمكن ان تعطيه سوريا هو هذا الموقف المبدئي غير المكتمل وغير الشافي للتساؤلات بشأن حقيقة الدور السوري الفاعل في معادلة الـ"سين – سين".
خامسا: انطلاقا من مجمل الملاحظات اعلاه نرى بأن معادلة الـ"سين – سين" اما ان تميع من اجل تفادي التصادم بالحائط المسدود، واما ان تفشل اذا ما استمر المنطق السوري في التصدي للمشكلة المتمثلة برفض "حزب الله" المسبق لقرار اتهامي ورفض تعامله مع المحكمة الدولية اساسا – مع الاشارة الى مفارقة هامة بحيث لو كانت المحكمة الدولية فعلا اسرائيلية او اميركية افلم يكن حري بالسوريين – الذين يدعون المواجهة والمقاومة للمشاريع الاميركية والصهيونية في المنطقة – ان يرفضوا بدورهم المحكمة الدولية بنفس الوضوح والصراحة التي يرفض بها السيد حسن نصرالله تلك المحكمة ويعتبرها غير موجودة بدل ان يتكلموا على نحو يظهر انتظارهم القرار لا استباقه كما يفعل "حزب الله" في لبنان؟
من هنا فإن المعادلة التي تتحكم اليوم بالـ"سين – سين" هي غير التي يجب ان تحكم الاتصالات السورية السعودية اذا كان ثمة نية حقيقية لدى السوريين في ايجاد ارضية صالحة لتسوية او اتفاق في موضوع المحكمة الدولية والقرار الاتهامي العتيد لا يقوم على الانقلاب عليهما بل على الزام حلفائها في لبنان بسلوك النهج المؤسساتي في مواجهة قرار قضائي اممي وانتظاره للبناء عليه ان كان موضوعيا ومتماسكا في ادلته واثباتاته – الامر الذي لا يبدو ان سوريا حتى الساعة تسعى لاقناع "حزب الله" به – واليوم يفاتحنا الشيخ نعيم قاسم بموقف متقدم جدا على الموقف العلني للسوريين ومناقض لهم باعتباره القرار الظني "ترنح ومات واصبح بلا لون ولا طعم ولا فائدة". ما يعني بلغة سياسية اخرى ان المسعى السوري – السعودي مات وانتهى طالما ان موضوعه لم يعد حيا اي القرار الظني المترنح والمتوفي بنظر "حزب الله".
فتوزيع الادوار والمواقف بين السوريين و"حزب الله" لا ينجح الـ"سين – سين"، واذا كان من سبيل وحيد لنجاحه فهو في ان تتوصل دمشق الى الموافقة على ترك القرار الاتهامي يصدر وتلجم الحزب وحلفاءها عن اي حماقات سياسية ممكنة حتى حينه، خصوصا ان منطق تخويف اللبنانيين من الفتنة منطق ساقط وغير ذي جدوى في ظل تأكيد كل الوقائع على الارض من ان من يمكنه ان يفتن هو من يدعي التخوف من فتنة والعمل على منعها اي "حزب الله" – وها هو اليوم يسلح مجموعات سنية متطرفة في طرابلس (كما اكد النائب السابق مصباح الاحدب في اطلالته الاخير مساء الخميس 16-12-2010 عبر الـLBC) لزرع بزور فتنة سنية – سنية تقيه حكم التاريخ ووطأة الحقيقة … الى حين …