ما أعلن عن مبادرة للرئيس نبيه بري قبل جلسة مجلس الوزراء الأخيرة 14/12/2010 حول إمكان الاكتفاء بأن يأخذ مجلس الوزراء "علماً بإحالة ملف ما يسمى "شهود الزور" الى المجلس العدلي يدفعني الى الرد قانوناً على وجهة النظر هذه من خلال ما يلي:
ان قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه أحيلت الى المجلس العدلي بموجب المرسوم الصادر عن مجلس الوزراء اللبناني رقم 14188، بتاريخ 14/2/2005.
وبتاريخ 12/12/2006 صدر عن مجلس الوزراء المرسوم النافذ الذي يرمي الى الإجازة للحكومة إبرام اتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان والنظام الأساسي العائد لهذه المحكمة، وفي عام 2007 صدر القرار 1757 عن مجلس الأمن بإنشاء المحكمة المذكورة وتحت الفصل السابع.
ويحدد البند الأول من المادة الأولى من الاتفاقية والمادة الأولى من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان ان الاختصاص القضائي لها.
وحيث ان النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان، في المادة الرابعة منه الفقرة "ب"، نص على تنازل السلطة الوطنية (اللبنانية) عن اختصاصها لصالح المحكمة وتحال الى المحكمة الخاصة نتائج التحقيقات ونسخة من سجلات المحكمة ان وجدت كما يحال الأشخاص المحتجزون رهن التحقيق في أي من هذه القضية الى عهدة المحكمة.
واستناداً الى ذلك فإن المحقق العدلي اللبناني أعلن عدم اختصاصه وأحال الملف بجميع وثائقه ونتائج تحقيقاته ومستنداته مع الأشخاص الموقوفين الى المحكمة الخاصة بلبنان.
والسؤال يطرح هنا حول مصير المرسوم 14188، القاضي بإحالة قضية اغتيال الرئيس الحريري على المجلس العدلي وذلك في ظل مرسوم لاحق يعدل هذا الاختصاص، نتج عنه قيام المحكمة الخاصة للبنان بموجب القرار الدولي رقم 1557، حيث يعقد الاختصاص القضائي للنظر في هذه القضية للمحكمة الخاصة للبنان".
لا شك اننا بداية أمام قرار صادر عن مجلس الأمن (1757) بإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان وتحت الفصل السابع.
وان المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق والقرارات الدولية والتي ينص الدستور اللبناني على احترامها، والتقيد بها تعتبر في مرتبة أسمى من القوانين العادية، ذلك ان الاجتهاد يتجه الى اعتبارها في مرتبة القواعد الدستورية التي تعتبر القانون الأسمى في هرمية القواعد القانونية، ذلك انه لا يخضع لرقابة القضاء سواء كان القضاء إدارياً أو دستورياً.
وبموجب هذه الاتفاقية والقرار 1757 فقد عقد الاختصاص للمحكمة الخاصة للبنان للنظر بهذه القضية، وبالتالي فإن المرسوم القاضي بإحالة القضية الى المجلس العدلي اللبناني يُعتبر ملغى ضمناً لوجود اتفاقية دولية وصدور مرسوم لاحق يعقد الاختصاص للمحكمة الخاصة بلبنان، ولكون المرسوم القديم يتعارض مع الاتفاقية الدولية والقرار 1757، ولكون ذلك في مرتبة أسمى من مرتبة المرسوم الآنف الذكر، علماً ان القرارات التي تصدر عن مجلس الأمن وتحت الفصل السابع، كما أشرنا، هي ملزمة للبنان بفعل الفقرة "ب" من مقدمة الدستور.
وللتوضيح أكثر وأكثر، ومن باب البحث القانوني في العلم الإداري، ولتعزيز حكمية الإلغاء الضمني للمرسوم يبقى السؤال العاجل: ما هو مصير هذا المرسوم القديم الذي يحيل القضية على المجلس العدلي في مواجهة المرسوم الجديد الذي ترتب عنه عقد الاختصاص للنظر في القضية للمحكمة الخاصة للبنان؟.
بما ان كلاً من المرسوم القديم والمرسوم الجديد يشكل قراراً إدارياً نافذاً فإنه لا بد من الرجوع في هذا الصدد الى القانون الإداري العام بما يؤيده من آراء فقهية واجتهادية لتحديد المرسوم الواجب التطبيق والنفاذ للمستقبل وذلك بسبب تناقض المرسومين في ذات الموضوع. وبعبارة أخرى لمن يعود الاختصاص الى المجلس العدلي بموجب مرسوم قديم أم الى المحكمة الخاصة بلبنان بموجب مرسوم لاحق يعدل المرسوم القديم وأكثر تحديداً هل ان المرسوم اللاحق يلغي المرسوم السابق؟
يتفق العلم والاجتهاد على ان العمل الإداري يكتسب عناصر ومقومات وجوده فور توقيعه من قبل السلطة الإدارية المختصة.
أما عن المدة التي يستمر خلالها قائماً فلقد استقر الاجتهاد على اعتبار ان العمل الإداري يبقى قائماً ونافذاً طالما لم تتم إزالته بالطرق القانونية، وهذه الإزالة لا يمكن ان تتم إلا بتعبير صريح أو ضمني عن الإدارة في هذا المجال.
القانون قد يلغيه ضمناً قانون لاحق زمنياً له والمرسوم قد يلغى بمرسوم. والقاعدة هنا تفرض صدور النص الجديد عن السلطة الإدارية ذاتها. وهذه القاعدة انما هي تطبيق وتكريس لمبدأ الموازاة في الشكليات ولمبدأ الموازاة في الصلاحيات عملاً باجتهاد مجلس الدولة الفرنسي لاثبات هذه النقطة: (شورى فرنسي 13 تموز 1968/ مجموعة Ferri ص 445/- شورى فرنسي 3 تشرين الأول 1962/مجموعة Marcus ص390).
وهناك إمكانية زوال للنص النافذ بطرق ووسائل مختلفة أهمها وضع حد له بفعل تبديل الظروف وكل عمل مبني على ظروف قانونية وواقعية رافقت إصداره أو كانت في أساس عملية اتخاذه فهو حتماً صدر بالاستناد الى نصوص تشريعية وتنظيمية في حينه، كما انه اتخذ في ضوء ظروف ووقائع حتمت إصداره. فهل يمكن ان يؤدي أي تبدل في هذه الظروف الى النيل من كيان هذا العمل؟ والى أي مدى يمكن القبول بذلك.
لقد ذهب الاجتهاد الى التسليم بأن التبدل في الظروف القانونية والواقعية على النحو المذكور أعلاه يؤدي الى إزالة العمل الإداري الأولي وذلك:
1 بإعادة النظر به إلغاءً أو تعديلاً بصورة صريحة.
2- بانتهاء مفعوله عن طريق الإلغاء الضمني.
3- باستحالة تطبيقه نتيجة لذلك التبدل.
وان الظروف الجديدة لا يمكن ان تؤدي بحد ذاتها الى زوال العمل الإداري إلا في حالة تبدل الظروف القانونية التي اعتمدها النص القائم بفعل إصدار نص جديد ومتعارض في أحكامه معه، فتكون عند ذلك أمام إلغاء ضمني للنص السابق. فالإلغاء الضمني بفعل تبدل الظروف القانونية يتم عندما يصدر نص جديد متعارض في أحكامه مع النص القائم في الموضوع نفسه.
هذا، ويجمع الرأي في الفقه والقضاء على ان القوانين المتعلقة بالاختصاص وبالإجراءات تطبق فوراً ويتقيد القضاء الإداري بهذه القاعدة سواء بالنسبة للقوانين المعدلة للاختصاص القضائي (شورى فرنسي 9/7/1965 – مجموعة ليبون ص 419 – بنفس المعنى شورى فرنسي 15/11/1912 – مجموعة ليبون ص 1058 – ومجلة القانون 1913ص 61 و30/7/1949 مجموعة ليبون ص 408) ام بالنسبة للقوانين المتعلقة باجراءات المحاكمة (شورى فرنسي 11/7/1956 ليبون ص 329 و13/11/1959- ليبون ص 593/أو بالإجراءات الإدارية، ويلاحظ ان القضاء الإداري يطبق في هذا المجال قواعد مماثلة لتلك المعتمدة في القضاء العدلي.
ان نصوص المعاهدات الدولية النافذة في الاقليم الوطني بعد إبرامها وتصديقها ونشرها طبقاً للقواعد المرعية والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن ولا سيما تحت الفصل السابع تكون ملزمة للإدارة والأفراد كالنصوص الإلزامية الداخلية ذات الصفة العامة. فاذا أصدرت السلطة الإدارية قراراً يخالف تلك النصوص فيكون قرارها معيباً بمخالفة القانون، الأمر الذي يجعل في ضوء كل ما تقدم من المرسوم (14188) ملغى ضمنياً بجميع مضامينه، وان ذريعة الفرع يتبع الاصل تتعارض بالمطلق مع المبادئ القانونية باعتبار انه لم يعد هناك من أصل حتى يمكن الحديث عن الفرع. وأكثر من ذلك فإن الإلغاء للمرسوم (14188) هو إلغاء كلي بفعل التبدل الجذري للظروف القانونية بصدور قرار مجلس الأمن رقم (1757) ومرسوم الاتفاقية بين لبنان والأمم المتحدة.
وعليه فإن مبادرة الرئيس بري ومن ناحية العلم الإداري فيها مخالفة صارخة لمبدأ استحالة التطبيق بنتيجة تبدل الظروف القانونية.
* محام، عضو المكتب السياسي في "تيار المستقبل"