بلغت أزمة المحكمة الدولية مرحلة متقدمة مع دخول البلاد في حال من الجمود والشلل وتعطل المؤسسات الدستورية، وتحولت الحكومة عملياً إلى حكومة تصريف أعمال. ويقترب لبنان أكثر من دائرة التوتر الحقيقي كلما اقترب موعد صدور القرار الظني مطلع العام المقبل، وتزداد مشاعر القلق مع احتدام الخلاف وسط سباق محموم مع الوقت وبين جهود التسوية والانفراج وعلامات التأزم والانفجار.
ومن الطبيعي ان تتجه الانظار من الآن إلى موقف اصحاب الشأن والعلاقة بهذا الصراع الذي يدور فعلياً ومباشرة بين "حزب الله"، الحزب الشيعي الاكبر والاقوى، وحزب "المستقبل"، الحزب السني الاكبر والاوسع انتشاراً… والسؤال الذي يطرحه كثيرون وبإلحاج هو: "كيف سيرد حزب الله على قرار ظني يتهم عناصر منه بإغتيال الرئيس رفيق الحريري؟" وحتى الآن لا يعطي الحزب جواباً وانما يتعمد سياسة "الغموض البناء" التي تتيح له الاحتفاظ بهامش واسع من الخيارات والسيناريوهات. والسؤال الآخر الذي يشغل اهتمام البعض هو: "كيف سيتصرف الرئيس سعد الحريري بعد صدور القرار الظني وأي موقف سيكون له في حال صدر القرار متضمناً اتهاماً لعناصر من حزب الله؟! وهل سيكون بعد صدور القرار متسع ومجال للحوار والتسوية، أم يكون السيف سبق العذل ويكون الوضع خرج عن السيطرة ولا تعود الحكومة ممسكة بزمام الامور؟
ثمة سؤال آخر لا يبدو انه يشغل حيزاً من الاهتمام، وهو أي موقف يجب ان يأخذه المسيحيين، واين موقعهم في الصراع الدائر والمفتوح على كل الاحتمالات؟! كأن هذه المسألة مسألة هامشية، وكأن المسيحيين هم خارج الصراع وغير معنيين به وبنتائجه، أو كأن المسيحيين هم خارج المعادلة ولا وزن ولا تأثير لهم فيها. وكل ذلك غير صحيح ويجافي الواقع والحقيقة.
المسيحيون في لبنان معنيون مباشرة بما يجري ويساورهم قلق حقيقي ازاء المرحلة المقبلة وتداعيات القرار الظني. وليس صحيحاً انهم يراهنون على الصراع السني – الشيعي لتقوية موقعهم في الحكم والدولة، كما ليس صحيحاً انهم يراهنون على معادلة ان قوتهم هي في ضعف الآخرين وان الطريق إلى تعزيز شراكتهم في الحكم تمر بإضعاف شركائهم في الوطن.
ليست عند المسيحيين في غالبيتهم العظمى أوهام استعادة ما خسروه من صلاحيات ومكاسب بعد اتفاق الطائف بفعل انقساماتهم وحروبهم الداخلية، عبر انقسامات المسلمين وحروبهم الداخلية. واذا كانت التجارب اللبنانية على امتداد سنوات وعقود اعطت عبراً ودروساً كافية في هذا المجال، فإن التجربة العراقية التي لم يجف دمها بعد ولا تزال ماثلة بكل مخاطرها ونارها التي اشتعلت في بلاد الرافدين بين السنة والشيعة، والتي وجهت ضربة قوية للوجود المسيحي في العراق وأخذته في طريقها قبل أي طرف آخر، فكان المسيحيون العراقيون أول من دفع الثمن للصراع حيناً، ومن ضحاياه في كل الاحيان والاحوال وكان الثمن غالياً عليهم في صراع "لا ناقة لهم فيه ولا جمل" وأدى في ما أدى إلى استشهادهم واقتلاعهم من ارضهم وتاريخهم والتشتت والتشرد في عالم غربي "يفترض به أن يكون مسيحياً" يتفرج على معاناتهم وقتلهم وتشريدهم وتفجير منازلهم وتهديم كنائسهم وبوجود قوات للتحالف لا تبحث إلا عن مصالح بلدانها.
المسيحيون في لبنان، شارعاً ونخباً ورأياً عاماً، مدركون لخطورة المرحلة وما يتهددهم من اخطار وما ينتظرهم من أوقات صعبة وعصيبة اذا اشتعل حريق الفتنة الطائفية والمذهبية (لا سمح الله) ، وهم يعرفون ويشعرون بأن هذا الحريق سيطالهم عاجلاً أم آجلاً ولن يكونوا في منأى عنه لأنهم جزء اساسي وكبير من هذا الوطن الصغير.
ولكن الشعور بالخطر لا يكفي لوحده، ودرء هذا الخطر لا يحصل إلا من خلال تحديد موقف لما يجري ووضع خطة لمواجهة الوضع المستجد وكيفية التعاطي مع كل الاحتمالات والتداعيات في مرحلة ما بعد القرار الظني. واذا كانت القيادات اللبنانية، الرسمية والسياسية،تتلكأ او تتباطأ في وضع خطة مسبقة للأزمة الآتية إلى انتظار القرار الظني وإضاعة الوقت، فإن على القيادات والنخب المسيحية ان تبادر سريعاً إلى وضع خطة تحرك وتحديد اطار الموقف الواجب اعتماده قبل ان تدهمهم الاحداث..
قد يقول قائل ان القوى والقيادات المسيحية بانقسامها منذ خمس سنوات وتوزعها على معسكري 8 و14 آذار تؤمن طريقة مناسبة ومثمرة للتعاطي مع الخلاف السني-الشيعي. فإذا ظل هذا الخلاف على وتيرة السنوات الماضية أمكن للقوى المسيحية الموزعة في الاتجاهين الافادة وجني الثمار والمكاسب بدليل ان المجلس النيابي الحالي هو الاكثر تمثيلاً للمسيحيين منذ الطائف، وان حكومة الوحدة الوطنية الحالية هي الافضل مسيحياً من حيث التوازن الطائفي والسياسي… واذا تفاقم هذا الخلاف وتطور إلى صراع سينتهي إلى تسوية لا غالب ولا مغلوب على الطريقة اللبنانية المعتادة، أو ينتهي إلى رابح وخاسر، وفي الحالة الاولى يكون المسيحيون جزءاً من التسوية، وفي الحال الثانية يكون بين المسيحيين فريق رابح وآخر خاسر ولا تكون الخسارة محققة وشاملة بل تكون النتيجة خسارة لكل المسيحيين لأي فريق سياسي انتموا.
هذه الطريقة في التفكير والتعاطي فيها من "التبسيط والتسطيح" للواقع المعقد والمخيف أكثر بكثير مما فيها من واقعية وبراغماتية. فالمسألة ليست مسألة تحصيل مكاسب سياسية ومقاعد وزارية ونيابية، وانما مسألة "دور وطني وسياسي" للمسيحيين ما زال مفقوداً رغم خروج لبنان من زمن الوصاية، ومسألة ان يشعر المسيحيون بأنهم شركاء فعليون في الحكم والقرار الوطني وفي تركيبة وادارة مؤسسات الدولة… ولقد ساهم الخلاف المسيحي وتوزعهم بين محورين ومشروعين سياسيين في تراجع دور المسيحيين وفي جعلهم وتصويرهم قوى تابعة لطرفي الصراع السني-الشيعي وتدور في فلكهما وتستمد منهما قوتها وحضورها… وهذا الدور المسيحي المفقود لا ينوجد إلا من خلال توحيد الرؤية والاهداف والالتقاء على تصور مشترك أقله على مستوى المبادىء والثوابت الاساسية والخطوط العريضة والقواسم المشتركة، والشرط الاول لذلك يكمن في ان تقوم القوى المسيحية الرئيسية، وخصوصاً "التيار الوطني الحر" و"تيار المردة" من جهة و"القوات اللبنانية" و"حزب الكتائب اللبنانية" من جهة ثانية، بالانسحاب من الاصطفافات السنية والشيعية، وتحديداً "المستقبل" و"حزب الله"، أو على الاقل ان تخفف من ارتباطها وغلوائها وتبادر إلى الابتعاد عن موقع الطرف في الصراع السني-الشيعي وعن دور "رأس الحربة" والتموضع في منطقة توافقية أو وسطية، وبما يتيح بلورة الموقف والموقع اللذين يجب ان يكون فيه المسيحيون وهو "الحياد".
وهنا اتذكر قول شاعر العرب محمد مهدي الجواهري في قصيدته الشهيرة في حفل تأبين المغفور له عبد الحميد كرامي في بيروت عام 1950 حين قال:
وعلامَ يُوغلُ في الحماسة راقصٌ بأشدَّ مَّما ينفخُ الزَّمار؟!
وبالعودة إلى صلب الموضوع، نقول انه من المؤكد ان المقصود هنا في كلمة "الحياد" ليس "الحياد السلبي" وان يكون المسيحيون في وضع المتفرجين على الصراع ومجرياته والمنتظرين لنتائجه وتحديد هوية الخاسر والرابح فيه، فيحجمون عن فعل أي شيء وعن اتخاذ أي مبادرة ويكون موقفهم إلى "اللامبالاة" وانهم غير معنيين بهذا الصراع وتداعياته، ولا البحث عن طريقة لوقفه وحصره وتخفيف اضراره.
فمثل هذا "الحياد السلبي" تترتب عليه نتائج سلبية ولن يكون المسيحيون بمنأى وبأمان عن نتائجه، وسيدفعون ثمن هذا الموقف غالياً. فإذا انفجر الصراع سيكونون من أول ضحاياه وفي قلب وعين العاصفة، واذا حصلت التسوية سيكونون خارجها وتكون على حسابهم.
وحده "الحياد الايجابي" هو الذي يحمي المسيحيين ويحفظ لهم موقعهم ودورهم الطبيعي. فالمطلوب أن يكونوا وسيطاً ايجابياً وموصلاً جيداً للعلاقة بين السُنة والشيعة، وبأن يلعبوا دور "الاطفائي" في اخماد الصراع واطفاء ناره المتأججة، ودور "جسر الحوار والتلاقي" بين مكونات الوطن. وهذا يقتضي منهم القيام بكل المحاولات والمبادرات اللازمة للتقريب والجمع والتوفيق والدفع في اتجاه الحوار والتسوية بين المسلمين، فيكون الدور المسيحي دوراً بناءً وفاعلاً، ويكون المسيحيون عامل توازن وطني وتثبيت التوازنات السياسية والطائفية لا عامل إذكاء للخلافات والتناقضات واللعب عليها.
لبنان يقف عند مشارف مرحلة تاريخية هي واحدة من أخطر المراحل وأدقها، وعلى المسيحيين ان يكونوا في مستوى المرحلة ودورهم التاريخي في لبنان… والمسيحيون أهل لهذا الدور وجديرون به طالما انه على رأس الدولة رئيس جمهورية مستقيم، توافقي، وطني ولبناني، مسيحي وماروني، يمثلهم في الحكم خير تمثيل بكل حكمة واتزان وبعد نظر ولدى المسيحيين ايضاً رجال حكماء واكفاء يمكن الاستفادة من تجاربهم السياسية الكبيرة وارائهم وخبراتهم امثال فؤاد بطرس وجان عبيد وفؤاد الترك وغيرهم وهؤلاء هم ضمانة وطنية ولبنانية، رأيهم مسموع ومحترم ولهم تقديرهم واحترامهم لدى كل القوى والاطراف السياسية اللبنانية وبامكانهم لعب دور توافقي ومقرب بين المسيحيين خصوصاً واللبنانيين عموماً فلماذا لا يُستشارون ويؤخذ برأيهم؟
أيها القادة المسيحيون: ارحموا شعبكم واهلكم وابناء جلدتكم ليرحمكم من في السماء.