قد تكون أقرب الاستعارات العلمية التي تنطبق على أزمة المحكمة الخاصة بلبنان في صلبها الداخلي بمثابة مشارفة مريض على موعد جراحة حتمية ضرب لها موعد مبدئي. في مثل هذه الحال تفترض الحكمة التقليل ما امكن من التقديرات المسبقة المتسرعة والتزام الحدود القصوى من التقشف في التوقعات لأن أحدا لا يمكنه، في المعطيات الموضوعية الصرفة لهذه الازمة، ان يستبق لا "الجراحة" ولا عوارضها ولا تداعياتها، سواء جاءت حميدة وأقل مما يخيف، او سلبية وأكبر مما يخشى منها.
واقع الحال ان ظاهرة غريبة نشأت في الايام الاخيرة وطفحت معها قابلية كأنما كانت مكبوتة حيال مبالغات في التقديرات ان في ازاء الخطابين الاخيرين للسيد حسن نصرالله في ذكرى عاشوراء، وان بالنسبة الى الوصفة السورية – السعودية السحرية مع انها وصفة تشارف بدورها فقدان كل سحر والسقوط في "مرور الزمن" الباهت. وتتسم هذه التقديرات بغلو واضح ان في ذهاب بعضها الى التبشير بمواعيد وشيكة لانفراجات "وصيغ" باتت جاهزة وناضجة، في مقابل اخرى تعاكسها وتنذر بسيناريوات تفجيرية.
ما كان للظاهرة ان تسترعي اهتماما يذكر لولا انها مست مواقع مرموقة في الهرميات الداخلية على تنوعها. مما يعني ان الجميع باتوا على يقين باقتناعات ذاتية، او بمعطيات ذات صدقية، او بالاثنين معا، ان "الامر المعلوم" يقترب من اوانه، وهذا واقع لم يعد اثباته في حاجة الى منجمين. غير ان المستغرب فعلا في هذا الاطار ان تسود مفردات التخمين، طمأنة او تحذيرا، تهدئة او تخويفا، كأن عقارب الساعة اللبنانية طاشت تماما ولم يعد امام سائر المعنيين بالازمة سوى اطلاق لغة التمنيات او التخوفات واسقاطها على المواقف الجادة.
فاذا كان الامر متصلا بخطابي السيد نصرالله اللذين لم يجد كثر فيهما سوى نبرته البعيدة عن التهديد وتركيزه على ادبيات احباط القرار الظني ومسار المحكمة الدولية كلاً، فالبعد الاعمق في الخطابين يستدعي مزيدا من الحذر حيال الافق القريب، ولو ان اخذ كلامه على حرفيته يستبطن تهيبا من الفتنة في الدرجة الاولى. مع ذلك فان الهامش المفتوح للازمة في مقلبها السياسي على الاقل، يبدو اكبر بكثير من ان يركن البعض الى قياس نبرة السيد نصرالله بالنبرات التي سبقت خطابيه او اعقبته. وفي كل الاحوال فان مضمونهما لا يقل عن ربط نزاع هو الاقوى مع القرار الظني والمحكمة وحتى مع الحكومة وقوى 14 آذار، ودائما في المسار السياسي حتى الآن. وفي المقلب الآخر فان هذا المضمون لا يبلغ حتما حد تحديد مهل او تلويح باستعمال العنف. ولكن السيد نصرالله لم يهدد مرة شخصيا ومباشرة بالعنف في خضم هذه الازمة، ولو انه لم يستعمل "مونته" الساحقة على حلفائه لمنع التلويح بهذه النبرة "المحببة" لديهم. لذا فالمسار الاكثر جدية لاستقراء استهدافات مواقفه الاخيرة، او ما قبلها، او ما سيلحقها لا يجيز واقعيا التعامل معه بالتقديرات المتحركة والظرفية التي تغدو ضربا من ضروب التسرع السطحي، بصرف النظر تماما عن حق اي فريق في تحديد موقفه المباشر منها سلبا او ايجابا.
اما في المسبب الآخر لعدوى التقديرات وهو ما يسمى المسعى السوري – السعودي فالامر يكاد ينقلب الى مهزلة وطنية بالكامل. فمن دون تقليل لأثر كل من الدولتين ونفوذها في لبنان، غدا الكلام عن الوصفة الموعودة و"المودعة" لدى القطبين اشبه بتخدير موضعي لاعانة المريض على العبور الى الجراحة، لا اكثر ولا اقل. ومع ذلك تتصاعد هبات التبرير لفائض الوقت الذي استهلكه هذا المسار، في حين ان المعنيين المباشرين به تماما، اي سوريا والسعودية لا تخفيان علنا وجهرا وبأوضح التعابير والمفردات المفهومة والفصيحة ان ليس هناك مبادرة ناجزة او وصفة سحرية. وتغدو حال بعض الممعنين في التمسك بحبال "المبادرة" اشبه بـ"الترنيمة" الرحبانية الفيروزية الشهيرة "الكذبة مش خطية"، عاكسين بذلك طبعا ما يتجاوز الرومانسية السياسية الى خشية على اوضاع ذاتية يهددها هذا الغموض الخانق لازمة تطرق كل الابواب ولا تبقي امانا لأحد.
فأي وصفة لبلد "يُدار" بهذا الكمّ من الوهم؟