يُكثر "حزب الله" في خطب قادته من تحذير المسيحيين اللبنانيين من خيارات قد تؤدي بهم إلى "الانتحار"، وهذا الأمر يطرح بحدّ ذاته أكثر من سؤال حول الطريقة التي يُفسّر بها الحزب الدينيّ المسلّح كيفية استمرار الوجود المسيحيّ، وتحديداً المارونيّ، في الجبل اللبنانيّ، طيلة الألف عام الأخيرة، وما هي الخيارات التي كانت تعزّز عوامل التجذّر والبقاء والازدهار والتي لعبت الدور الجوهريّ في نشأة الكيانية اللبنانية.
فالسؤال المركزيّ هنا: لماذا بقيت الخيارات التاريخية للطائفة المارونيّة طيلة الألف عام الأخيرة بمجملها، خيارات غير انتحارية، وما هو الطارئ اليوم على أحوال هذه الطائفة كي يكون لزاماً عليها أن تتنبّه فتجتنب الخيارات الانتحارية؟
وهذا السؤال يمكن أن يُطرح أيضاً بالشكل التالي: لنفترض أنّ الموارنة عادوا فأخذوا حسابات سياسية خاطئة اليوم وغداً، فلماذا تكون هذه الحسابات السياسية الخاطئة من النوع الذي يحكم عليهم بـ"الانتحار"، أي من النوع الذي يهدّد وجودهم الحضاريّ؟
من هنا، يتبيّن أنّ الطرف الذي يبدي "غيرته" على المسيحيين محذّراً إياهم من مغبة "الانتحار" هو نفسه الطرف الذي يتعامل مع المسيحيين على أنّ وجودهم سريع العطب كما لو كانوا جالية أجنبية وليسوا من سكّان البلاد الأصليين، وهو نفسه الذي يجعل من حمايته للمسيحيين شرط وجودهم، أي أنّه هو نفسه صاحب الأمر في الوجود المسيحيّ أو عدمه في لبنان، وخلاصة كلّ ذلك أنّ ثمّة تناقضاً "كيانيّاً" بين "حزب الله" بالشكل الذي يطرح فيه اليوم سياسته "المسيحية" وبين المسيحيين اللبنانيين بالشكل الذي ثابروا فيه على الوجود الحضاريّ على امتداد القرون.
والمشكلة، هي إلى حدّ ما، مشكلة "سوء تفاهم". فـ"حزب الله" وحلفاؤه المسيحيون يعتبرون مثلاً أنّ مصير المسيحيين اللبنانيين في خطر ما دام مصير المسيحيين في خطر في عموم الشرق الأوسط، في حين أنّ الجماعة المسيحيّة اللبنانية، المارونية بالتحديد، لم يكن مقدوراً لها أن تؤسس لهويتها الكيانية المتمايزة في الجبل اللبنانيّ لولا أنّها أختارت الانطلاق، ليسَ من الانتماء إلى "عالم الأقليّات" المسيحيّة في الشرق وإنما إلى "العالم المسيحيّ" وفي طليعته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.
فالوعي التاريخيّ المارونيّ يقوم في الأساس على نقد جذريّ موجّه إلى "عالم الأقليّات" من موقع الانتماء إلى "العالم المسيحيّ"، ومن هنا فقط أمكن للموارنة بعد ذلك، وأكثر من سواهم من مسيحيي الشرق، أن يجمعوا بين الانتماء إلى الكثلكة وبين التجذّر في التراث الأنطاكيّ، وبين هذا التراث الأنطاكيّ وبين المشاركة التأسيسية في تطوير فكرة العروبة الحضارية إبان عصر النهضة، إضافة إلى لعب دور تاريخيّ في إحياء اللغة العربية وتحديثها.
في المقابل، وفي أحسن الحالات، ولو صفت جميع النوايا، فإن ما يُطالب "حزب الله" الموارنة به هو هجران تاريخهم، أي مغادرة ذلك الانتماء الثلاثيّ إلى "العالم المسيحيّ" و"التراث الأنطاكيّ" و"العروبة الحضاريّة" إلى انتماء مخالف إلى "عالم الأقليات الأحفورية" في إطار أيديولوجيا الممانعة والمقاومة المتمحورة حول ولاية الفقيه المطلقة.
وهذا، بالنسبة إلى الوعي التاريخيّ المارونيّ، هو الانتحار عينه: إلغاء علّة الوجود، إلغاء الهوية، خيانة التراث، تدمير المستقبل.
أمّا دعوة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله الأخيرة للمسيحيين في ما يتعلّق بموقفهم من الفتنة الإسلامية فمشكلتها أنّها دعوة غامضة. فهل إنّه يطالبهم بـ"الحياد" مثلاً تجاه مشهد الانقسام الإسلاميّ الإسلاميّ، أم أنّه يطالبهم بالانحياز إلى "حزب الله" في إطار هذا الانقسام؟ يعني الغموض هنا أنّ الدعوة تدلّ على لغة "غير ميثاقية". مشكلة هذه الدعوة أنّها تتصوّر أن المسيحيين أو بعضهم يفكرّون على أساس طرح سؤال كيفية الاستفادة "الانتهازية" من الفتنة المذهبية الإسلامية الإسلامية وهذا بحدّ ذاته غير صحيح، بل جائر.
وقد يُستثنى هنا طبعاً بعض الملتحقين بتيار النائب ميشال عون. فهؤلاء قد طفقوا في الخمس سنوات الأخيرة إلى تطوير خطابية تهويلية من موضوع التطرّف السلفيّ والجهاديّ بين أهل السنّة للتغطية على تحالفهم التبعيّ مع الحزب الدينيّ المسلّح المرتبط بإيران. في المقابل، بقي المسيحيّون اللبنانيون المناصرون لثورة الأرز في طليعة من يسعى لاحتضان الخيارات الديموقراطية والاستقلالية داخل الطائفة الشيعية، وفي ذلك اختلاف بيّن.