تعب اللبنانيون من وتيرة الخطاب السياسي في البلد منذ فترة ليست قصيرة، بل سئموا وكفروا من المزايدات والشعارات المحنّطة، الذي يؤكّد تكاثرها وتكرارها مدى الإفلاس الذي بلغته الحياة السياسية في أقدم نظام ديمقراطي عربي!
ليس مهمّاً، بالنسبة للبنانيين، استمرار المبارزة الكلامية البيزنطية بين فريقي الأكثرية والأقلية، عمّن يعطّل جلسات مجلس الوزراء، لأن الأهم عند كل لبناني، هو إنهاء هذا التعطيل القسري للمؤسسات الدستورية والرسمية، والذي ينعكس تعطيلاً لمصالح الناس، وتهديداً لأرزاقهم واستقرارهم الاجتماعي، مما يزيد ويفاقم التأزّم في المشكلات المعيشية والاجتماعية والاقتصادية التي تئن تحتها الأكثرية الساحقة من اللبنانيين!
كان أحرى بالقيادات السياسية التي أثبتت عجزها عن التصدي للأزمة الراهنة، وعدم قدرتها على إيجاد المخرج الوطني الملائم لإنهاء القطيعة فيما بينها، والتوصّل الى صيغة خلاّقة لمعالجة المأزق الوطني الحالي، كان أحرى بهذه القيادات بأن تعمل وتجتهد في تغطية عجزها الفاضح، على الانصراف الى معالجة هموم الناس ومشاكلهم الحياتية اليومية، ولملمة جراح المتضررين من العاصفة المناخية الهوجاء التي ضربت البلاد، وأصابت المزارعين والصيادين وأصحاب الدخل المحدود بأفدح الأضرار·
كان أجدى، لمن يدّعي أهليته للزعامة والقيادة، وتفرّده بنعمة الإصلاح والتغيير والعمل الوطني، أن يؤكّد حرصه على مسيرة الدولة، وحماية إداراتها ومرافقها الحيوية، من خلال تسهيل تأمين التمويل الضروري للاستمرار في مهامها اليومية في خدمة الناس، وتلبية حاجاتها الأساسية، ولو في الحد الأدنى·
لقد أنجز الجاران اللدودان قبرص والدولة العبرية إتفاقاً إستراتيجياً بينهما يسمح لكل منهما المباشرة في البحث عن النفط والغاز في المياه الإقليمية المشتركة مع لبنان، في وقت ما زلنا نحن نتلهّى بخلافات سفسطائية، نحتار كيف نخترع لها العناوين والمواضيع، والتي كان آخرها ما يُسمّى ملف <شهود الزور>، الذي حوّل معظم اللبنانيين الى شهود زور على هذا الواقع المأسوي، دون أن يستطيعوا له حلاً أو مخرجاً!!
* * *
ويبدو أن ما نسمعه في الخارج من أن الأشقاء والأصدقاء يُحبّون لبنان، ويحرصون على أمنه واستقراره، أكثر من بعض اللبنانيين أنفسهم، حقيقة لا مجال لنكرانها، بعدما أثبتت التجارب، منذ الربع الأخير من القرن الماضي، سهولة إنزلاق اللبنانيين الى نزاعات داخلية، سرعان ما يُظهروا عجزهم عن وقفها، تاركين للأشقاء والأصدقاء مهمة إخراجهم من الهاوية التي تسابقوا للوصول إليها!
·· والمشهد يُعيد نفسه اليوم على المسرح اللبناني!
ففي ظل العجز الداخلي المتمادي عن مقاربة أبسط قواعد الحوار بين الأفرقاء السياسيين، برزت المبادرة العربية الخلاّقة، لحماية الوضع اللبناني من الانهيار أولاً، ثم للعمل على إعادة تدعيم وترسيخ أسس التوافق الوطني والاستقرار الداخلي، للحيلولة دون تفكك الجبهة الداخلية، التي تعرّضت، وما زالت تتعرّض لضغوطات متزايدة، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري·
فجاءت القمة الثلاثية في بعبدا التي ضمّت الى جانب الرئيس اللبناني، العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس السوري بشّار الأسد، لتنفّس الاحتقان الداخلي الذي قارب في تلك الفترة نقطة الانفجار، ولتؤكّد الاهتمام العربي بأمن واستقرار الوطن الصغير، الذي هو في صلب أمن واستقرار المنطقة، إضافة الى إطلاق ورشة إتصالات إقليمية ودولية مع العواصم المعنيّة بالوضع اللبناني وملف المحكمة الدولية، بحثاً عن <صيغة خلاّقة> تُنقذ الشقيق الأصغر من الانفجار، وتحمي المنطقة من شظايا نيران أية فتنة تندلع في لبنان·
* * *
أصبح واضحاً أن تشابكات المسألة اللبنانية، وتعقيدات الوضع الإقليمي وتداخلاته الدولية، قد تجاوزت قدرة معادلة <س – س> على التفرّد بصياغة الحل المنشود للأزمة اللبنانية الراهنة:
الأسباب ليست داخلية بحتة،
والتشابكات ليست إقليمية فقط،
والتداخلات، بمؤثراتها المتفاوتة، إتخذت طابعاً دولياً بامتياز!
من هنا لم يكن أمام الحكمة السعودية والحنكة السورية إلا التسلّح بالصبر، والمثابرة على الاتصال والتشاور مع كل الأطراف المعنيّة، عربية وإقليمية ودولية، للوصول الى <صيغة حل> تُرضي الأطراف المعنية، ولا تُشكّل تحدياً أو استفزازاً للمرجعيات الدولية التي تُبدي اهتماماً بالملف اللبناني لأسباب مختلفة ولأهداف وغايات لا تُخفى عند أهل يعقوب!
نجحت الجهود السورية – السعودية في نسج شبكة أمان للمبادرة التي أطلقتها من بعبدا ضمّت الأطراف المعنيّة مباشرة بالوضع اللبناني، وذلك على النحو التالي:
{{ عربياً: – مصر بما لها من وزن سياسي لبناني وعربي وإقليمي·
– قطر بما لها من دالة مالية على أطراف بارزة في المعارضة اللبنانية·
{{ إقليمياً: – إيران من خلال علاقتها العضوية بحزب الله، ونظراً لدورها المعروف في الملفات الإقليمية·
– تركيا العائدة بقوة الى العالم العربي، وذات الكلمة المؤثّرة في بعض العواصم العربية والإقليمية والدولية·
{{ دولياً: – فرنسا: حيث يُبدي رئيسها نيكولا ساركوزي تفهماً للتعقيدات اللبنانية، الى جانب رغبته في الحفاظ على العلاقات التقليدية مع وطن الأرز·
– الولايات المتحدة: اللاعب الأول في المنطقة، والداخلة بقوّة على خط الجهود العربية، وقد تولّت كل من السعودية وفرنسا مهمة الاتصالات اللازمة مع الإدارة الأميركية·
* * *
لقد أدركت القيادتان السعودية والسورية أن أي تفرّد متسرّع في طرح صيغة حل للأزمة اللبنانية، قبل التشاور مع الأطراف الإقليمية والدولية خاصة، والحصول على موافقتها المسبقة، والتزامها الصريح بالدعم الكامل لهذا الحل، من شأن عدم حصول ذلك تعريض الوضع اللبناني لمزيد من الاهتزازات والمصادمات حيث ستحوّل الأطراف الخارجية الأزمة اللبنانية الى ساحة لتصفية حساباتها على حساب أمن واستقرار الوطن الصغير·
ويمكن القول أن صيغة الحل، حتى لا نقول التسوية كما يحلو للبعض أن يسمّيها، قد بلغت مرحلة النضوج النهائية، وأن الإعلان عنها قد يتم في الأسبوع الثاني من كانون الثاني – يناير، إذا سارت الأمور الى خواتيمها السعيدة، كما هو متوقع لها، بمباركة عربية، ودعم إقليمي، وموافقة دولية·
ويبدو أن عودة المفاوضات الدولية مع إيران، والإفراج عن الحكومة العتيدة في العراق، وتوقّع إعلان صيغة الحل في لبنان، كلّها حلقات في سلسلة، تؤشّر الى انفراجات متوقعة في ملفات المنطقة الساخنة، يكمن التحدي الأساسي في مواجهتها هذا العناد الاسرائيلي في عدم الاستجابة لمتطلبات عملية السلام، والمفاوضات مع الجانب الفلسطيني!
فهل يغتنم اللبنانيون فرصة تلاقي الحكمة السعودية والحنكة السورية، وما تحظيان به من دعم إقليمي ودولي، لاستعادة وحدتهم الداخلية، وتحصين أمنهم واستقرارهم، ضد أية مغامرة عدوانية إسرائيلية جديدة؟