تبقى زركشة الكلام قاصرة عن إغفال مضمونه ودفشه الى خانة التمويه. وتبقى ملكة السبك وفصاحة البيان قاصرة بدورها عن تغليف الحقيقة بورق سميك يحجب الرؤية عنها، ويمنع التدقيق والتمحيص فيها.
يتوالى خطاب القطع والفصل. ويتوالى اعتماد مسحوق "المقاومة" في غسل عقول السامعين. وتتغير أشكال التعبير تبعاً للمتكلم ومركزه "وطبيعته"، لكن التنغيم في مجمله لا يحيد عن معزوفة واحدة موحدة، كانت ولا تزال وستبقى حتى اشعار آخر، هي محاولة اعادة لبنان وأهله الى ما كان عليه سابقاً. حيث العدالة مصطلح غريب، طارئ وغير مألوف. وحيث بنيان الممانعة يُغلّف ويُبرّر كل عسف ورغبة طغيان. وحيث يهون كل ارتكاب في سبيل "المشروع" الذي ما بقي في هذه الدنيا الا اكتاف اللبنانيين دون غيرها ليركب عليها كي يصل!.
تبعاً لهذا يصح الافتراض، ان كل الضجيج الفالت هذه الأيام ضد المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي ليس إلا محطة (بارزة وخطيرة) على الطريق وليس نهاية ذلك الطريق.
اذ أن المعروف والمألوف والمسبوك بذهب الحروف، هو ان المطلوب أن لا تُعلم وتُذاع تفاصيل ما حصل. ليس فقط للأسباب المباشرة الخاصة بالوقائع الدموية المُسجّلة في السنوات الماضية، بل ايضاً (والأهم) لمنع تهافت منطق سياسي متكامل، خيضت تحت لافتاته معارك ضاريات مُوّهت كلها بشعارات الممانعة وأدواتها ومشتقاتها.
منطق يفترض ان ما كان ممسوكاً وقائماً منذ وضع اتفاق الطائف حتى 14 شباط 2005، قد فلت وراح بعيداً في البحث عن استقلاله، ولم تفلح كل "الوسائل" التي استخدمت، في اعادته الى مربّعه الأول.. وان الكشوفات المنتظرات من المحكمة وقرارها ستعني في سياق ما ستعنيه، ان الاستقلاليين والسياديين لم يفتروا ولم يكيدوا ولم يتآمروا ولم يتحاملوا. وان بيانهم ما كان إلا ترجمة مباشرة لسياسة ترفض ابقاء لبنان مجرد مشروع لم يكتمل. لا في الكيان ولا في الدور ولا في النظام ولا في السلطة، أو مجرد ورقة يحملها القادر متى يشاء ليرمي بها في الاتجاه الذي يريده، شاء اللبنانيون أم أبوا، صرخوا أو كتموا، قالوا اكتفينا وابتلينا أم صمتوا.
ليست الحقيقة بهذا المعنى آنية مسوّرة بعناوين الجرائم التي حصلت. هي أكثر من ذلك بكثير، وتتعلق بمسار شديد الواقعية ولا يحلم. يعرف "جغرافية" لبنان وحقائق تاريخه. ويعرف أكثر من غيره، ان التجارب التي أتت من فرضيات جغرافية خرافية، لم تؤدِ بدورها إلا الى ما أدّت وستؤدي اليه الفرضيات القائلات اننا سنغيّر "جغرافية" المنطقة وحدنا دون سوانا؟!.
حقيقة تعني في محصّلتها، أخذ لبنان وأهله بالهيّن وليس بالصعب، وبالواقع وليس بالوهم، وبتواضع الدور وليس بالمكابرة والمبالغة، وبالبقاء تحت سقف الموقف العربي العام وليس المزايدة عليه.
.. حقيقة تكسر منطق الغلبة، وتئد مشاريع التسلّط العابرة للحدود.. ثم قبل هذا كله تُحيي منطق الفضائل القائل ان الحق سلطان، والعدل أساس، والظلم عابر لا يقيم، وإن دماء من ماتوا لا تصنع الفتن بل تطفئها، ولا تخلخل لبنان بل تحوّله من مجرد "مشروع" الى وطن وكيان.
أول وأكثر من يعرف كل ذلك، هم الداعون اليوم الى نفي الحقيقة ووضع العدالة على الرّف.. الباحثون عن استسلام وليس عن تسوية!.