ما لم يتوصّل المسعى السعودي – السوري إلى تسوية لأزمة المحكمة
هل تتدرّج خطوات التعطيل إلى انسحاب من الحكومة وفراغ؟
إذا كان فريق 8 آذار نجح في تعطيل جلسات مجلس الوزراء او في ربط اقرار اي بند من بنود جدول اعماله ببت ملف شهود الزور، سواء بالتوافق او بالتصويت، وكان قد نجح سابقا في تعطيل جلسات مجلس النواب واقفال ابوابه في وجه الحكومة والنواب معا للحؤول دون اقرار النظام الاساسي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فانتقل الموضوع الى مجلس الامن الدولي، ونجح ايضا في تعطيل اجراء انتخابات رئاسية وتشكيل "حكومة وحدة وطنية" الا بشروط استطاع فرضها في مؤتمر الدوحة باستخدام سلاحه في 7 ايار، فهل ينجح هذه المرة في تعريض البلاد لخطر الفراغ بعد التعطيل اذا ما رد على القرار الظني عند صدوره ولم يكن مضمونه مقبولا منه، وذلك بالانسحاب من الحكومة بحيث توضع البلاد عندئذ امام ازمة وزارية قد يستعصي حلها فتتحول ازمة حكم مفتوحة على كل الاحتمالات؟
أوساط سياسية مراقبة ترى انه ينبغي منذ الآن البحث في الخطوات الواجب اتخاذها لمواجهة اي احتمالات قد تتعرض لها البلاد والتحسب مسبقا لها، خصوصا بعد تساؤل قياديين في "حزب الله": "اي حكومة تبقى بعد صدور القرار الظني اذا لم تبدأ المعالجة ببت ملف شهود الزور قبل صدوره، لان لبنان بعد صدوره سيكون غيره ما قبل صدوره". وسيجد فريق 14 آذار انه لم يعد لديه ما يتنازل عنه بعد كل التنازلات التي اقدم عليها حرصا على وحدة لبنان ارضا وشعبا ومؤسسات، وبعد أن تنازل بما فيه الكفاية كونه ام الصبي، حيث تنازل على هذا الاساس عن ترشحه لرئاسة الجمهورية ووافق على انتخاب رئيس توافقي للجمهورية ليس من 8 ولا من 14 آذار هو العماد ميشال سليمان، ووافق على تشكيل حكومة "وحدة وطنية" برغم عدم اقتناعه بجدوى تشكيل مثل هذه الحكومة لانها تجمع اضدادا ومتخاصمين قد لا يلتقون على موقف واحد حيال امور كثيرة، وهو ما حصل فعلا فاثبتت انها حكومة تعطيل كل شيء وألغت بالتالي المعارضة البناءة وشطبت المساءلة والمحاسبة، وبدأ الانقلاب على هذه الحكومة منذ تأليفها، كما بدأ الانقلاب على المؤسسات. ولم تكن هي الحكومة التي تغنى بها فريق 8 آذار عند تشكيلها بالقول انها ستكون في حالة توافق داخلها، وان مرحلة حكمها ستكون في خدمة المواطن وليس في خدمة السياسة والسياسيين، وان البلد تعب من المناكفات ويريد الخروج الى الاستقرار والازدهار. إن حكومة "الشراكة الوطنية" هي التي تقيم الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل اراضيها فلا تكون سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها. وان كل شيء يهون امام ضرورات الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي، وان اي حكومة غير توافقية يعني اللااستقرار.
وقد دعا الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله النخب السياسية "الى هدنة سنة على الاقل تريح البلد وتعطي الحكومة الفرصة للعمل، حكومة متكافلة متعاونة"، مضيفا "ان الوزير الذي لا يريد ان يعمل لاولويات الناس فليستقل". وقال العماد ميشال عون "ان الحكومات التوافقية لا تزول الا بتغيير النظام والقوانين وانها ستكون ترسيخا للوحدة الوطنية ومتعاونة بجميع اعضائها"… فيما كان لفريق 14 آذار مواقف مختلفة، فقال النائب روبير غانم عنها انها حكومة هرطقة دستورية تجعلها مجلس نيابي مصغر يُفقد النظام البرلماني دوره، وقول النائب جان اوغاسابيان "ان حكومة الوحدة الوطنية تجربة فاشلة وغير مجدية"، وقول النائب بطرس حرب: "انا موال لحكومة سيئة لا اؤمن بها"، لانه لا يمكن حكم البلاد بحكومة التناقضات وفقدان التجانس، وقول النائب السابق فارس بويز "ان الاجواء الحالية في لبنان قد تنتج حكومة إمرار الوقت الضائع وتصريف الاعمال، حكومة معطلة بالمعادلات السلبية الداخلية فيها ولا تستطيع ان تقوم بحكم البلاد وان كان البعض يرى انه حل افضل من لا حكومة"، وايضا قول النائب السابق عبد الحميد بيضون "ان لبنان محكوم اليوم من السلاح وليس من الدستور"، حتى ان الرئيس بري قال ان الحكومة تعمل منفردة وكل وزير مرتبط بزعيمه وليس بمؤسساته، وان التضامن مفقود، والمدير يتجرأ على الوزير والوزير يهاجم رئيس الحكومة".
وها هي حكومة "الوحدة الوطنية" تثبت فشلها بعد مرور اكثر من سنة على تشكيلها لان الثلث فيها لم يكن ثلثا مشاركا كما ادعي بل كان ثلثاً معطلاً، مثل الحكومات السابقة، وعلى صورتها ومثالها لانها لم تكن حكومة الارادة الجامعة كما تمناها الرئيس الحريري ان تكون، فلم تتمكن من انجاز تعيينات ضرورية واساسية في المراكز القيادية الشاغرة ولم تتمكن من اقرار المشاريع التي كان في الامكان اقرارها لو كان ثمة حكومة طبيعية متجانسة ومنسجمة لا تتميز معظم اجتماعاتها بمماحكات ومشاكسات وهدفها التفتيش عن حل للمشكلات لا التفتيش عن مشكلات لا حل لها، في انتظار تمرير المرحلة وانتظار تطورات تكون نتائجها في مصلحة 8 او 14 آذار…
وقد اثبتت حكومة ما يسمى "وحدة وطنية" ان الثلث فيها موحد على التعطيل فقط، وان من يحكم الشارع يحكم الدولة، وانه لا يمكن الحكم بالتوافق، اي بالاجماع، مع حكومة التناقضات، وهو ما جعل لبنان يمر بمرحلة تشبه ما سبق اتفاق الطائف…
والسؤال المطروح الآن، ويقلق الناس هو: ما هي الخطوة التي سيتخذها فريق 8 آذار عند صدور القرار الظني اذا لم تتوصل المساعي السعودية – السورية الى تسوية تسبق صدوره لتستوعب تداعياته المحتملة؟ هل سينتقل من خطوة التعطيل الى خطوة الفراغ ليضع لبنان امام المجهول بوحدته وكيانه ونظامه وهويته؟ وهل تبقى البلاد في حالة تعطيل في انتظار طائف او دوحة جديدين؟ هل يكون الفراغ الحكومي وسيلة لإحداث انقلاب على كل المؤسسات بما فيها مؤسسة رئاسة الجمهورية فيتحقق عندئذ حلم الطامعين بها؟ هل مطلوب من فريق 14 آذار مزيد من التنازلات حرصا على الاستقرار والوحدة الوطنية والعيش المشترك، ولم يعد لدى هذا الفريق ما يتنازل عنه سوى حقه في العدالة ومعرفة قتلة الرئيس الحريري ورفاقه وسواه من شهداء هم من خيرة رجال لبنان؟ وهل المطلوب حتى عدم معرفة هؤلاء القتلة وان كانوا قد باتوا معروفين عند كل الناس، وان يتخلوا عن المطالبة بالعدالة وان ينسوا شهداءهم والا اصبح لبنان نفسه شهيدا… اي انه مطلوب من اهل الشهداء ان يختاروا بين رفض المحكمة واسقاط الاتهام سلفا عن "حزب الله" او يتحملون مسؤولية زعزعة الاستقرار في البلاد واستقالة الحكومة اذا ما خرج منها وزراء 8 آذار؟
لذلك ينبغي منذ الآن البحث في مواجهة شتى الاحتمالات اذا ما اتخذ فريق 8 آذار خطوات سواء قبل صدور القرار الظني او بعده ولم يكن المسعى السعودي – السوري وكل مسعى آخر، عربيا او دوليا، توصل الى تسوية تتدارك محاذير التداعيات، خصوصا اذا انقسمت الآراء والمواقف حيال مضمون القرار الاتهامي بين من يرى ان الاتهامات الواردة فيه مبنية على ادلة قاطعة ومن يرى خلاف ذلك. وقد يكون الحل هو في استقالة الحكومة والمساعدة عربيا ودوليا على تشكيل حكومة تكنوقراط لا عمل لها سوى خدمة مصالح الوطن والمواطن بعدما شبع الناس من مناكفات السياسيين وقرف منها وبات لا همَّ له ولا اهتمام الا بلقمة عيشه…