#dfp #adsense

“إن لم تكن معي فأنت عدوي”

حجم الخط

"عندما تربي الوحش في دارك، فاعلم أنه سيأتي يوم ويلتهمك".
(علي شريعتي)

في كل يوم أفكر في إيران، يخطر ببالي دائماً علي شريعتي، ذلك المناضل والمفكر الكبير الذي ناضل مع حركة محمد مصدق سنة 1953 واعتقلته مرات سلطة الشاه محمد رضا بلهوي بعدما أسس "حسينية الإرشاد" لتربية الشباب. ومع أن شريعتي، وهو الملقب بأبو الثورة الإيرانية، كان حسب كتاباته يعتز بانتمائه الى الشيعية الإثنا عشرية، لكنه كان ينتقد النزعة العنصرية والقومية الفارسية التي استولت على هذا الفكر، حسب رأيه، منذ حلول الدولة الصفوية سنة 1507، وهي كما نعلم أرست مبدأ حكم ولاية الفقيه من خلال ما شرّعه المحقق الكركي للشاه طهماسب ابن اسماعيل الشاه مؤسس هذه الإمبراطورية.

اغتيل علي شريعتي سنة 1977 كما يُقال على يد عملاء "السافاك" (المخابرات الإيرانية في زمن الشاه)، ولكن هناك كثيرون يهمسون بأن الاغتيال كان موحى من الإمام الخميني الذي كان يستشعر خطورة أفكار علي شريعتي على ما يضمره الإمام من حكم في إيران. استشهد علي شريعتي ولكن أفكاره الثورية المرتكزة على الإسلام المدني والإنساني كانت ملهمة لملايين الإيرانيين من مختلف الأحزاب والتوجهات السياسية التي حققت سقوط الشاه سنة 1979.

الثورة الإيرانية
وهذا يعني طبعاً أن الثورة الإيرانية لم تكن حدثاً معزولاً ومرتبطاً بشخصية الخميني فحسب، كما حاول أن يصورها البعض، بل كانت نتاج تراكم أحداث وتطورات عمرها أكثر من ربع قرن من الزمن شارك فيها كل أطياف الشعب الإيراني من ليبراليين وقوميين وشيوعيين ويساريين وبورجوازيين ورجال دين. وكان بدأ نوع من حرب العصابات ضد نظام الشاه في غابات سيهاكل شمال إيران. وسبقها ثورة مصدق وحركات سياسية معارضة قام بها وذهب ضحيتها ليبراليون وقوميون كانوا يعملون لحركات سلمية وغير مسلحة.

مع عودة الإمام الخميني وخروج الشاه، كان الشعب الإيراني يتطلع الى دولة فيها رخاء وعدالة اجتماعية وحرية عمل سياسي، ولكن باكورة أعمال النظام الجديد كانت محاكم الثورة على يد صادق خلخالي الذي نسبت إليه آلاف الإعدامات التعسفية التي يُقال إنها كانت تدور من دون معرفة المهندس مهدي بازركان رئيس الحكومة الموقتة التي أمر بتشكيلها الإمام الخميني.

من بعدها كما هو معلوم، انقض أتباع الخميني على كل من شاركوهم في الثورة في صراع دامٍ تضمن تفجيرات وإعدامات وعمليات انتقامية انتهت مع فرض مبدأ ولاية الفقيه في إيران. والواقع أن الكثيرين ممن أصبحوا إصلاحيي إيران لاحقاً ساهموا في القضاء على الحركة المدنية أيام حكومة بازركان من خلال وقوفهم مع رجال الدين، فقد كانوا يعتقدون يومها أنهم سيكونون قادرين لاحقاً على تطوير النظام ومنعه من التحول الى ديكتاتورية دينية، وهو ما ثُبت فشله بعدما تمكن هذا النظام من تثبيت نفسه من خلال هيمنة "الباسدران" (الحرس الثوري) العسكرية والاقتصادية، ومن خلال انتشار "الباسيج" (الميليشيا الشعبية) لدعم النظام على المستوى الشعبي.

أوهام وكوابيس
لماذا هذا الكلام الآن؟.. لأن واقع الحال هو أن الكثيرين من السياسيين اليساريين ومن يُسمون أنفسهم بالمثقفين أصحاب الآراء التحررية وضعوا أنفسهم في التعاون والدفاع عن "حزب الله" في الموقع نفسه الذي كان فيه أمثالهم عشية انتصار الثورة في إيران، يوم كان الشعار الجامع هو التخلص من سلطة الشاه ومن الوصاية الأميركية والبريطانية على مقدرات البلاد وثرواتها، فيما كان أتباع الإمام الخميني يسعون الى فرض سلطة ولاية الفقيه.

واليوم، فإن هؤلاء اليساريين والمثقفين والثوريين يدعمون "حزب الله" في وجه المجتمع المدني في لبنان تحت شعار أساسه كلمة "المقاومة" ومواجهة العدو الإسرائيلي" و"هزيمة الهيمنة الأميركية" و"محاربة الرأسمالية المتوحشة"، في حين أن "حزب الله يسعى الى مد سلطة الولي الفقيه "العادل والحكيم والشجاع" الى أوسع رقعة من الأرض. فهل يعي "المثقفون" الآن أن أوهامهم ستتحول بسرعة الى كوابيس؟!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل