ساد الظن لبعض الوقت ازاء ما هو مرتقب من الرئيس نبيه بري بالنسبة الى ما يمكن ان يطرحه من حلول للأزمة السياسية المتفاقمة، لكنه خرج أخيراً بفكرة مفادها تهديدي – تحذيري لا يقل حجماً عما صدر عن حزب الله أميناً عاماً ووزراء ونواباً من كلام أقل ما يقال فيه زنه يستحيل الاتكال على مطلق مخرج من جانب الحزب باستثناء ما قاله السيد حسن نصر الله عشية العاشر من عاشوراء (…).
إن اتكال الرئيس بري على تراجع قوى 14 آذار عن موقفها من المحكمة الدولية ليس توقعاً صائباً، كونه يعرف ان زمن التنازلات قد انتهى (…) وانتهت معه محاولات إسقاط مفهوم الدولة لمجرد ان بعضهم يراهن على عض الأصابع. فضلاً عن اعتبارات أخرى من شأن الأخذ بها الاعتراف بخطأ مزدوج. الأول تأخر الأكثرية في تحديد المطلوب منها لإصلاح الخلل السياسي. أما الخطأ الثاني فيعود الى تقبل الأمر الواقع قبل انتهاء العمل بالمفعول السياسي والأمني الرجعي!
أما الخطيئة الكبرى للرئيس بري فتكمن في تجاهل دور ومسعى الرئاسة الأولى، بقدر ما يشكله كلام رئيس المجلس من غمز من قناة الرئيس ميشال سليمان بعدما احتكم الى العرف مفضلاً تجنب التصويت على بند الشهود الزور كي لا يصل بمجلس الوزراء الى حد لبحث بــ"أفعال التفضيل". وهي تجربة أثبتت فشلها الذريع أيام اعتمدها الرئيس اميل لحود وقبله الرئيس الياس الهراوي!
وما يثير الاستغراب في اللفت المبطن للرئيس بري، هو معرفته المسبقة بأن رئيس الجمهورية أبعد من الجميع عن ان يتأثر بالأهواء السياسية والشخصية، وقد سبق له ان قال ذلك بصريح العبارة في مجموعة مناسبات سياسية ووطنية، خلص فيها الى ما يصح اعتباره رسالة يستحيل الرد عليها وكأنها صادرة عن سياسيين تقليديين يطلقون مواقفهم على أمل الرد عليها عبر عموميات متبادلة فيما تقول أوساط مطلعة أنه كان الأجدى برئيس مجلس النواب تجنب المماحكة والبقاء على مسافة واحدة من الجميع بمن فيهم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، كي لا يصل الأمر بخصومه الى حد القول أنه "جاء ليكحلها فعماها"؟
ومن مساوئ اتكال المعارضة على قدراتها الأمنية المجربة، هناك من يرى في الاصرار على تغيير موقف قوى 14 آذار تصرفاً غير ذات جدوى، بعدما تأكد للجميع ان "سيف المحكمة الدولية سبقه العزل"، أي ان لا مجال بعد كل ما حصل من "نتعات سياسية" لقول أي طرف في المعارضة ان من واجب المعنيين تقبل فكرة صرف النظر عن المحكمة، وهي أمنية ساقطة بفعل المكان والزمان والسياسة والأمن!
واللافت أكثر من كل ما عداه هو قول المعارضة أنها لن تتسامح بعد صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيره من قوافل الاغتيالات السياسية، حتى وإن كان المقصود تقبل التهديد على عواهنه، طالما ان لا مجال أمام أحد للنأي بنفسه عن نتاج عمل المحكمة الجنائية الدولية، لاسيما ان رفع الصوت يكاد يتحول الى صدى سلبي لكل مساوئ هذه المرحلة!
وبالنسبة الى تعلق قوى 8 آذار بأمنية تراجع الأكثرية عن تصلبها، ثمة من ينقل عن وزراء ونواب في قوى 14 آذار ان "لا حاجة الى تذكير أحد من المعارضين بأن مشروعهم تضليلي" ليس إلا!
كذلك هناك من يجزم بأن مرحلة العض على الأصابع لا بد منتهية بعد شهر او شهرين أم سنة، طالما ان مهام المحكمة عمل تقريري من شأنه تحديد الجناة ومن بعد ذلك وضعهم في دائرة العقوبة الجنائية، خصوصاً ان اتكال البعض على الشهود الزور أصبح لكثرة التعاطي به وكأنه شأن سياسي مرتب في أروقة هذا الجانب او ذلك!
أما اتكال قوى 14 آذار على ما قد يطرأ من سجال بعد صدور القرار الاتهامي فهو تصرف يؤشر سلفاً الى وجود استعداد لتقبل أية فكرة يطلع بها حزب الله عندما يحين أوان تحديد من قام بالتفجير في 14 شباط من العام 2005 (…) بل من أعطى الضوء الأخضر في مجال تحديد الغطاء السياسي من أعطى الأمر بالضغط على "زر التفجير"!
والملاحظ كذلك، ان لا سابقة لأي طرف محلي او اقليمي او دولي ان وضع نفسه في مجال الاتهام المباشر قبل ان يحين الأوان، والذين من رأي حزب الله يقولون ان "رد الفعل الاستباقي يبقى أفضل من عداه"، ربما لأن ظروفنا الداخلية محكومة بتوترات مفتعلة، مسبوقة بأبشع أنواع التهديد والوعيد. وهذا معروف من الداخل والخارج، ومن الأصدقاء وعابري السبيل أيضاً؟؟