أوحى الامين العام لـ"حزب الله" مساء الاربعاء 15 كانون الاول بأنه قدم اقتراحين عمليين، من قبيل الايجابية، وعلى سبيل التهدئة، وربما من اجل تفعيل حل لبناني. اولهما لم يرق الى مصاف دعوة الى الحوار، فكل ما قاله يُختصر بكلمتين "نقعد ونحكي". والثاني ليس عمليا بالمرة، اذ صاغه بعبارة "تحييد" اللبنانيين انفسهم في صراع حزبه مع المحكمة الدولية.
واقعيا، كان بإمكان السيد حسن نصرالله ان يسقط هذين الاقتراحين من خطابه المتلفز، فهو لم يكن يقصدهما، وانما خصص اطلالته لهدفين محددين، استمرارا للحملة اياها. واولهما مواصلة السعي الى تهشيم سمعة المحكمة الدولية، بالتركيز على ارتشاء ذلك المحقق الالماني، طبعا اذا صحت الاتهامات. اما الثاني، وهو الاهم، فيتلخص باطلاق رصاصة اولى على الحكومة التي قال انها "تحمي شهود الزور"، وليس المقصود بتهمة "الحماية" تلك وزراء الحزب وحلفائه، بل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس اللقاء الديموقراطي ووزراؤهم.
لا يزال ممكنا وضع اقتراح "نقعد ونحكي" موضع التنفيذ، لكن اي "حكي" لا بد ان يتم بين طرفين لكل منهما وجهة نظر، ويفترض ان يهدف الى ايجاد نقاط اتفاق يمكن ان يبنى عليها، وبهذا المعنى يصبح "الحكي" حوارا، لكن "حزب الله" وحلفاءه اكدوا انهم لا يزالون يقاطعون هيئة الحوار الوطني، مثلما انهم يعطلون جلسات مجلس الوزراء وعمله. اما اقتراح "التحييد" فينفي اقتراح "الحكي" او يلغيه، لانه يبادر الى تسفيه حق الآخرين في ان يراهنوا على المحكمة الدولية – والرهان يحتمل الخطأ كما الصواب – لمجرد ان هناك من لا يرى فيها سوى محكمة "فاسدة" و"مرتشية" او "اداة اسرائيلية".
ليس سرا ان من يرجمون هذه المحكمة الآن كانوا ضدها منذ صدر قرار مجلس الامن بانشائها، كما انهم هم انفسهم من استهانوا بالاغتيالات واعتبروها احداثا ظرفية في الازمة الرابضة على صدر البلد. كرهوا المحكمة يوم كانت سوريا في خانة الاشتباه، وكرهوها يوم اصبح "حزب الله" في موضع الاتهام، ولم ينشدوا اي عدالة او حقيقة منها، ولم يأملوا بأكثر من وضع ملف الاغتيال في ادراج النسيان. وللعجب، فإنهم لم يأبهوا لصرخات الطرف الآخر الذي قال ولا يزال يقول انه يريد المحكمة لوقف الاغتيالات، وللانتهاء من سياسة الافلات من العقاب ايا كان من يستحق العقاب.
اذا لم يُستأنف الحوار واستمر تعطيل مجلس الوزراء فهذا لا يعني شيئا آخر غير اننا اصبحنا عمليا في ارهاصات "الانقلاب" الذي تحدث عنه البطريرك صفير. وعندما يقول نصرالله "اننا احبطنا بعض اجزاء من المؤامرة" من دون ان يوضح ما الذي احبطه، فلعله يشير الى تعطيل الدولة والحوار. كذلك عندما يكرر انه لا يزال ينتظر المساعي السعودية – السورية فهو يؤكد مرارا ان الحل الذي يتوقعه من هذه المساعي لا يمكن ان يكون اقل من الغاء القرار الاتهامي، مع علمه بان هذا ما لن يحصل ابدا. واما كل الافكار المتعلقة بما بعد صدور القرار فلا تعنيه، والا لكان باشر التمهيد للتعاطي معها.
وفي ظل انقطاع الحوار وجمود العمل الحكومي لا يستطيع احد ان يغامر بتصور ما ستكون عليه الحال بعد صدور القرار الاتهامي. وتذكّر الاتصالات الخارجية، خصوصا مع سوريا بتلك التي كانت تجرى اواخر الثمانينات للافراج عن الرهائن الغربيين. ذاك ان البلد دخل عمليا في وضعية الرهينة التي تتعطل كل قدراتها ازاء محتجزها، ولا تستطيع شيئا غير انتظار المساعي التي قد تفلح وقد لا تفلح في تدبر اطلاقها. ولعل الامر بلغ حد خشية الطرف المتمسك بالمحكمة، اي الرهينة، من ان يقوم بأي عمل يشي بالاحتجاج على احتجازه، لئلا يستفز مرتهنه فكأنه يحضّه على استخدام السلاح الذي في يده.
لا بد ان الجميع لاحظ تركيز باريس، بصفتها تقيم علاقة حوار مع دمشق، على وجوب ان تقدم سوريا مسعى ما لتفكيك عقدة "شهود الزور" تسهيلا لاستعادة الحكومة نشاطها. ويعزى ذلك تحديدا الى ان الطرف الذي اثار هذا الملف واشترط بته لاستمرار مشاركته في الجلسات هو عادة طرف محسوب حصريا على سوريا ويعتبر الاكثر تعبيرا عن تعليماتها، يتساوى في ذلك ان يكون مقتنعا ومنسجما مع ما يطرحه، او لا يكون. لكن دمشق تريد الاقناع بانها لم تعد معنية بالشأن اللبناني الداخلي، ورغم انها لا تقنع احدا بذلك، الا انها تواصل اللعبة. فهي تدير سياساتها بالريموت كونترول وتحصل على النتائج التي تتوخاها، وكل ما استطاعت تقديمه – مجانا – حتى الآن هو "شبه التزام" بعدم الموافقة على انهيار امني في لبنان، لكن بلا اي ضمانات. كما انها مرتاحة الى الدعاية الواسعة التي تحظى بها مساعيها مع السعودية، وتعدها مكسبا لصورتها وسمعتها، حتى لو كانت لديها مصالح تلتقي اكثر مع فريق التأزيم اللبناني، خصوصا في عدائه للمحكمة الدولية. اما اذا طُلب منها تدخل اكثر فاعلية فقد باتت تشترط ان يكون ذلك بطلب دولي موثق، وربما ترغب في ان يقر هذا الطلب في مجلس الامن. ورغم ذلك فهي ستتدخل عندئذ على طريقتها وبأجندتها التي لن تختلف عن اجندة "حزب الله" الا في الاسلوب.
كل الاطراف المعنية، في الداخل كما في الخارج، تستطيع ان تفعل اكثر، طالما ان الهدف تجنب الفتنة. وفي مختلف الاحوال، ينبغي الا يُستخدم وقف الحوار وتعطيل الدولة لمعالجة الازمة، بل ان العكس هو المطلوب، اي استمرار الحوار وتحييد الدولة. وما دامت هذه الازمة تنطوي على فترات انتظار طويلة، فلا داعي لملء الفراغ بمزيد من التوتير الكلامي ولا بالتلويح بـ"ساعات الصفر" التي تجدد من اسبوع الى آخر على وقع الاشاعات عن مواعيد صدور القرار الاتهامي.