الخطأ الستالينيّ مع بابا الفاتيكان يكرّره "حزب الله" بشكل متعاظم منذ مدّة.
عام 1935 قصد رئيس الوزراء الفرنسيّ بيار لافال موسكو، وسأل الديكتاتور السوفياتيّ جوزيف ستالين أن يخفّف ملاحقة المتديّنين وخصوصاً الكاثوليك كي ينال التقارب الفرنسيّ السوفياتيّ حظوة ورضى لدى بابا الفاتيكان. أتاه الجواب قاسياً ومستهزئاً: كم هو عدد الوحدات القتالية التي يمتلكها بابا الفاتيكان؟
اليوم يسخّن "حزب الله" للإنقلاب حيناً ويتعفّف عنه حيناً آخر، لكنّه في الحالتين، يتحدّث عن "لكمات" تسدّد لكرسي أنطاكية وسائر المشرق، منطلقاً من أنّ لا وحدات قتالية لدى بطريرك الموارنة وبالتالي فلا مرجعية تعقد له في أمر الميثاق والقيم التأسيسية والكيانية، وقد فات "حزب الله" ما فات الطاغية ستالين قبل ذلك، من أنّ قوّة القادة الكنسيين لا تكمن في لغة العنتريات والملاكمات، إنّما تحديداً في مثلّث الضمير والحجّة والرأي الحرّ.
و"حزب الله" لا يتعظ كثيراً من النهاية الكارثية لكل المشاريع الهيمنية الفئوية المحليّة، ولا من النتائج المأسوية لكل المشاريع العالمثالثية التي نشدت التحرّر من سطوة الغرب لا بقيام الدولة الوطنية وإنّما بإهدار الأرزاق والطاقات والأجيال والدماء وراء طموحات إمبراطورية. أنى للحزب أن يتعظ بعد ذلك من النتائج التدميريّة للإستهزاء الستالينيّ ببابا الفاتيكان؟ لو فعلها لأمكن الحزب امتلاك "وعي تاريخيّ". لكن هنا الطامة الكبرى. هو عاجز عن ذلك. وهذه مشكلته، ومشكلتنا.
هل في "حزب الله" من يقرأ التاريخ ويستخلص نتائج هذا الإستهزاء. في المدى المنظور، أدّت عبارة ستالين حول الوحدات القتالية الغائبة عند بابا الفاتيكان، إلى تأخّر قيام الجبهة المطوّقة لألمانيا النازيّة إلى ما بعد خراب أوروبا، واندفعت الكاثوليكية للتحالف موضوعياً مع الفاشية في إسبانيا، وكان طبيعياً بعد ذلك أن لا تلتزم الفاشية في إيطاليا بوعودها للبابا فتسارع للإلتحاق بالنازية الألمانية خوفاً من أن تحتكر الأخيرة الإنتصارات لوحدها.
وكانت النتيجة أيضاًً وأيضاً اضطرار ستالين لتوقيع معاهدة عدم الاعتداء مع هتلر ما أمّن للإثنين نهشاً همجياًً للجسد البولنديّ الحيّ، ثم أمّن لهتلر وحده تحضيراً هادئاً ومنسّقاً للغزوّ الشامل للأراضي السوفياتيّة حتى مشارف موسكو.
أمّا الكنيسة الكاثوليكية فخرجت حيّة ترزق من الحرب، رغم كلّ شيء، وأصلحت شأنها سريعاً في "مجمع الفاتيكان الثاني" للتحوّل من ثمّ إلى طليعة سلمية مقاتلة في سبيل التخلّص من المنظومة الشموليّة والإلحادية الشيوعية القائمة على الكذب، ذلك انطلاقاً من بولندا العمّالية الكاثوليكية.
ولافال المسكين الذي استهزأ بسؤاله ستالين، فقد وجد نفسه عميلاً صغيراً لألمانيا النازية عندما احتلّت بلاده، ولقي الجزاء المستحقّ، الإعدام رمياً بالرصاص.
فهل يوجد في "حزب الله" من يتأمّل هذه اللوحة التاريخية التي منها عبرة، وليست فقط مجرّد إسقاطات؟
هل يوجد في الحزب من يعي ضرورة احترام التسلسل المرجعيّ للمسيحيين إنطلاقاً من مركزية الكرسي البطريركي في هذا الشأن، ومن العلاقة الإسلامية المسيحية في لبنان جزءاً محورياً من العلاقة الإسلامية المسيحية في العالم؟
الأجدى بـ"حزب الله" وهو الحزب العقائديّ المستند إلى تراث دينيّ معيّن، أن يعتمد لغة أخرى مع بطريرك الموارنة، لغة تقرّ بجذرية الإختلاف، إنّما تمهّد لدفع الحجّة بالحجّة، والرأي بالرأي، وللإنخراط في صلب التجربة الإعترافية والتحاورية بين الأديان والثقافات.
لكن، على من تقرأ مزاميرك، إن كانت "الحيرة الإنقلابية" سيّدة الموقف، ونعني بها معسكر الوعود الإنقلابية: فالإنقلاب هو حيناً "مداهم"، وحيناً "مؤجّل"، وحيناً " نداء أخير قبل التحرّك"، وحيناً يجري "التعفّف" عنه، وحيناً "يا ليته كان"، وحيناً "لعلّ وعسى"، وحيناً "لا على الخاطر ولا على البال"، وحيناً "تذكّروه جيّداً"!!
عندما يستشعر البطريرك صفير خطورة "الدافع الإنقلابيّ" فهذا أمر لا بدّ لجميع اللبنانيين من التعامل معه على أنّه حدث ضميريّ بإمتياز، ولا بدّ لـ"المشتبه بإنقلابيته" أن يسارع للإيضاح الهادئ "لا الإنقلابيّ" حينها، بأنّه يحترم الميثاق والدستور والأنظمة المرعية الإجراء . فأيّ كلام خلاف ذلك يدخل في باب "الحيرة الإنقلابية".
وقوّة البطريرك صفير اليوم في هذا الجانب بالتحديد: كشف "الحيرة الإنقلابية" التي يتحرّك ضمنها خطاب "حزب الله"، ويأسر نفسه من ضمنها أيضاً. وعلّة ذلك أن صفير بما يمثّله من مقام ودور هو من الأسباب الرئيسية التي لا تزال تمسك الإنقلاب وتحتجزه في باب "الحيرة".
