#adsense

لبنان.. مجدداً

حجم الخط

لا أوهام في تاريخ لبنان، بل وقائع وحقائق. وفي الكلام الآخر المعاكس، النازل بزخم على رؤوسنا، خفّة مقصودة لخدمة تهويل راهن وعابر.. أو أن أصحابه لا يعرفون القراءة الصحيحة، وإذا عرفوا تلك القراءة لا يعرفون الاستيعاب التام. وإذا استوعبوا، أخذوا مع استيعابهم تمنياتهم ووضعوها في الصدارة، ثم ناموا مرتاحين الى خلو مقاصدهم من تهم الشطط أو التزوير.

لا يمكن ببساطة نطح الحائط ثم الشكوى من وجع الرأس. لا يفعل ذلك أصلاً إلا المتوهّم أن رأسه أقوى من الإسمنت المسلح. وأن قوة صوته تعينه على تصديق أوهامه، والدخول في معمعان الخطأ والخطيئة.

والتاريخ الراهن غير السالف والآتي من بطون الزمان الغائر. فهو يشبه النسخ. وفي ذلك لا يمكن التزوير لا شكلاً ولا مضموناً.. وعليه، تخبرنا وقائع مدوّنات أيامنا الحاضرات، أن مشاريع الغلبة في بلدنا لم تغلب أحداً إلا ذاتها. ولم تلغِ أحداً إلا أحكام منطقها قبل منطق الآخرين. ولم تصعد الى تلّة، إلاّ ونزلت راكضة الى الهوّة التي تليها.

"ربما" تصحّ أفعال الغلبة عندما تكون هذه مرادفة للإبادة(؟!) وعلى حد علمنا الحديث فإن ذلك ما عاد متوافراً بكثرة إلا في بعض المجاهل حيث الهوتو والتوتسي مثلاً.. وحتى في ذلك المقام كانت الغلبة ملتبسة، وادعاء البراءة منها كان أمراً لافتاً، طالما أن فعل التبرؤ يصاحب في العادة الهزائم وليس الانتصارات!
في لبناننا هذه الأيام، هناك من تأخذه العزّة بالحشد والحديد والنار، فيكبر رأسه الى حد اشتماله على حقائق كثيرة وأوهام أكثر. والمسألة أيها الأعزاء، مُكملة لبعضها البعض، ولا يفصل بينها إلا خيط رفيع موصول بالحكمة وبُعد النظر والقراءة الشاملة للخرائط والتاريخ والجغرافيا والسياسة. وعندما ينقطع ذلك الخيط، يدخل صاحب المقام بكل حائط متوفر، ويروح يفترض أن الدرع حول رأسه كافية لتحقيق مبتغاه وإنزال الحائط بالأرض!

ومن جديد وللمرة الألف بعد الألف: كُثر جرّبوا قبل الآن، وقطعوا ذلك الخيط عن سابق تصوّر وإصرار وتنظير ومال ونار وحديد وشحتار وأعلام ومؤسسات وسلطات شارعية فضفاضة وكبيرة ومنظّمة بل آسرة في صلابة تنظيمها. غير أن النتيجة التي لا تشوبها شائبة الخطأ أو التنظير أو القراءة القاصرة تفيد بأن ذلك الخيط انقطع وسقطت تلك التجارب ومُسحت بالأرض، لكن "حائط" لبنان بقي قائماً ولم يسقط.

لا تلغي الانتكاسات العابرات حقائق الوجود الدائم. ومخطئ بالعشرة من يعتقد، اليوم تحديداً، أن البعض في لبنان أقوى من البعض الآخر. أو أن سيرورة الأحداث ونتائجها والتجارب الحزبية الفاشلة لأصحاب مشاريع كبرى، قد أدت الى غلبة صافية لفريق على آخر… لبنان هذا ليس حلبة ملاكمة يضرب عليها الأقوى وينتصر، ويسقط الأضعف وينسحب.. قد تتهاوى مرحلياً ركائز سلطان سياسي أو عسكري أو مالي أو عددي، وقد تمتد تلك المرحلة لسنوات وسنوات لكن ذلك لم يعنِ سابقاً ولا يعني اليوم، أن الذي توهّم الغلبة استطاع الإمساك بمفاصل البلد وضبّها مستريحاً تحت مشروعه!

.. هذا لبنان، وهو ليس صدفة سياسية عابرة. وأهله وأقوامه وطوائفه ليسوا جاليات غريبة طارئة، وإلا ما انضبّوا فيه على مدى مئات السنين، لم تلغهم إمبراطوريات عظمى وحروب أعظم وكوارث ونوازل لا تُحتمل.
هذا لبنان وليس غزة. إقرأوا التاريخ جيداً.. ثم هددوا الآخرين!!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل