بعد فشل حملات التهديد والترهيب لحمل خصومه على التبرؤ من المحكمة الدولية
هل يجرّب "حزب الله" أسلوب الحوار المباشر لشرح هواجسه بأسلوب ديمقراطي
"ساهمت حملات "حزب الله" في تأجيج المناخ السياسي وزادت المشكل القائم تعقيداً وصعوبة بدلاً من حلحلته"
يلاحظ ان <حزب الله> يتجاهل جميع الدعوات الموجهة اليه من الفريق السياسي الداعم للمحكمة الدولية وعلى رأسه رئيس الحكومة سعد الحريري لإجراء حوار مباشر حول جميع الهواجس التي تعتري الحزب من القرار الاتهامي المرتقب صدوره عن المحكمة الدولية في وقت قريب للبحث في كيفية مقاربة جميع هذه الهواجس بمسؤولية وامكانية ايجاد المخارج المطلوبة لها في اجواء مؤاتية تبدد حالة الاحتقان السياسي السائد حالياً، ويصر الحزب بدلاً من ذلك على طرح مطالبه من خلال الخطب والمواقف التهديدية عبر وسائل الاعلام، مما يبقي الجو السياسي متوتراً ومشدوداً ويؤدي الى تعميق هوة التباعد القائمة بين الطرفين اكثر من السابق ويطيل الازمة السياسية السائدة في البلاد منذ منتصف الصيف الماضي الى وقت غير محدد بالرغم من المساعي المبذولة من قبل المملكة العربية السعودية وسوريا لانهاء الازمة التي يمر بها لبنان من جراء التصعيد السياسي الذي يمارسه الحزب على خلفية القرار الاتهامي والمحكمة الدولية.
وقد أظهرت الحملات التصعيدية المتواصلة التي شنها الحزب بقيادة امينه العام السيد حسن نصر الله شخصياً طوال الاشهر الماضية، ان مثل هذه الحملات لم تؤد الى تحقيق هدف الحزب بانكار خصومه السياسيين للمحكمة وقطع كل اواصر التعاطي الرسمي معها، بل ساهمت هذه الحملات في تأجيج المناخ السياسي وزادت المشكل القائم تعقيداً وصعوبة بدلاً من حلحلته وتمسك الفريق الداعم للمحكمة بمواقفه منها بالرغم من شراسة الحملات القائمة وحدتها، بينما ساهمت المواقف الاقليمية والدولية الداعمة واستمرار المحكمة في مهماتها حتى النهاية في قطع الطريق على كل المحاولات الرامية للالتفاف عليها وتعطيلها·
لقد كان الأجدى للحزب سلوك درب الحوار الوطني البناء لتسويق وجهة نظره من موضوع المحكمة وعرض هواجسه ومخاوفه من المحكمة وتقديم ما يملكه من ادلة وبراهين تثبت احقية هذه الهواجس امام الرأي العام، بدل تكراره اسلوب التهديدات والترهيب الذي انتهجه في تعاطيه مع الفريق الداعم للمحكمة الدولية، لكان بالفعل استطاع ان يظهر للبنانيين وللرأي العام العالمي احقية مطالبه ويحوز على تعاطفهم وتأييدهم لهذه المطالب في مواجهة خصومه السياسيين والمحكمة على حدٍ سواء·
ولكن انتهاج الحزب لاسلوب التهديد المتواصل لخصومه السياسيين ومهاجمة المحكمة الدولية بدون ادلة والتذرع بملفات وهمية كملف <شهود الزور> ومحاولته تعطيل مؤسسات الدولة كما يفعل في الوقت الحاضر، كلها ممارسات تتعارض كلياً مع النظام الديمقراطي للدولة اللبنانية وتثير حفيظة اللبنانيين الذين يناهضون مثل هذه الاساليب وحتى الذين يقفون على الحياد في الصراع الدائر حالياً، لانها تعيدهم سنوات الى الوراء وتذكرهم بالارتكابات الدموية الخطيرة التي مارسها الحزب وحلفاؤه لتعطيل قيام المحكمة الدولية وخشيتهم من تكرارها في الوقت الحاضر·
فحزب الله جرّب اساليب حملات الترهيب والتهديد التي استمرت اشهراً قاربت نصف عام في المرحلة الحالية وسنوات عدة منذ ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولم يحقق في حملته الحالية ما يرجوه بالرغم من الامكانات المادية والاعلامية والسياسية التي جندها لحملته هذه منذ انطلاقتها في منتصف الصيف الماضي، لان اكثرية الشعب اللبناني ترفض الانصياع لمثل هذه الاساليب والحملات الترهيبية وتكرهها وهي ما تزال متمسكة بموقفها الدعم لاستمرار عمل المحكمة الدولية حتى النهاية لمعرفة من ارتكب جرائم الاغتيال الارهابية التي طالت رموزاً سياسية وطنية لبنانية طوال العهد الممدد للرئيس السابق السيء الذكر اميل لحود، ولان المحكمة الدولية تقع خارج التأثير الترهيبي للحزب ولا تخضع لوصايته كما كانت حال بعض القضاء اللبناني في الماضي، ولا تنصاع لمثل هذه الضغوط ومستمرة في مهماتها بدعم من هذه الشريحة اللبنانية الكبيرة والمجتمع الدولي عموماً ولا تتأثر بالضجيج والصخب السياسي الذي يفتعله قادة ونواب <حزب الله> في كل المناسبات السياسية والدينية على حدٍ سواء·
والآن بعد فشل حملة التهديدات التي انتهجها الحزب طوال الاشهر الماضية في تحقيق غايتها، هل يسلك الحزب طريق الحوار مع خصومه السياسيين للتوصل الى مخرج مقبول لكل ما يتفرع عن القرار الاتهامي والمحكمة الدولية، أم يستمر الحزب في اسلوب التهديدات الذي تعود على سلوكه حتى النهاية؟
لا يمكن لأحد الاجابة عن هذا السؤال في الوقت الحاضر، بالرغم من تراجع حدة الخطاب السياسي للحزب في الآونة الاخيرة وتراجع بعض نوابه عن مواقف حادة وتهديدات وجهوها مباشرة لخصومهم السياسيين في الاسابيع القليلة الماضية بفعل ضغوطات اقليمية لاتاحة الفرصة امام المساعي والمشاورات المبذولة من قبل المملكة العربية السعودية وسوريا لإرساء التهدئة ومحاولة ايجاد مخرج للواقع المتأزم في لبنان في الوقت الحاضر· ولكن كل هذه الوقائع لا تمنع ان يجرّب حزب الله سلوك درب الحوار مع شركائه في الوطن، بدلاً من ان يعطل طاولة الحوار في بعبدا وان يراجع ممارساته السابقة، لعل في الحوار فائدة اكثر مما يجنيه في توجيه التهديدات باستعمال السلاح الذي لا يلقى قبولاً حتى من بعض الحلفاء الاقربين للحزب·