#adsense

التعطيل والاعتكاف الحكومي “تقليد” لبناني والنتيجة تسوية بعد شقاق وقتال (بقلم بيار عطالله – النهار)

حجم الخط

تعطيل عمل الحكومة وتكديس البنود المختصة بشؤون الناس واحوالهم وقضاياهم دون اي اعتبار للمصلحة العامة تحت عنوان شهود الزور او اي عنوان آخر، ليسا جديدين على تاريخ الحكومات في لبنان. ويمكن كتابة مجلدات عن "التعطيل الحكومي" وملحقاته التي اصابت لبنان في صميم بناه ومؤسساته، وكانت مسؤولة عن خراب البيت على رؤوس اهله عن قصد او عن غير قصدو التعطيل الحكومي، سواء على ايام "الجمهورية العربية المتحدة" او على مدى ازمنة المنظمات الفلسطينية المسلحة، غالباً ما كان ينتهي بتسويات على حساب سيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها، او غالباً ما ادى الى تآكل حضور الدولة واندثار هيبتها تدريجاً.

لتعطيل العمل الحكومي في لبنان اوجه عدة وتسميات مختلفة، واول من عانى تبعات التعطيل كان الرئيس سامي الصلح الذي تولى تشكيل الحكومة ثماني مرات متتالية، آخرها في 14 آذار 1958، وقف خلالها الى جانب الرئيس كميل شمعون، وواجهت حكومته الاخيرة إلحاح المعارضة على تقديم استقالته، على ان تليها استقالة رئيس الجمهورية، الا ان الصلح لم يوافق، واعلن انه لن يتخلى عن مسؤولياته تجاه وطنه قبل ان تأتي حكومة شرعية تتسلم الحكم منه. ويقول في كتابه "احتكم الى التاريخ": "بدأت الثورة منتصف ليل 8 ايار 1958 حين اغتالت الاستخبارات السورية الصحافي نسيب المتني صاحب جريدة "التلغراف" وهو في طريقه الى منزله، فأسرعت المعارضة الى استغلال الحادث واعلان الاضراب مدة ثلاثة ايام ووزعت نشرات في طرابلس تتهم الحكومة بإثارة الفتنة وتدعو الاهالي الى الانتفاض عليها. ومع تطور الازمة اذاعت محطة دمشق ان مسلحين هاجموا منزلي وهدموه واحرقوه، واذيع الخبر قبل ساعات من وقوع الهجوم فجاء بمثابة توجيه صريح لعناصر الشغب في بيروت لاقتراف الجريمة". وبالفعل جرى نسف منزل رئيس الحكومة وتدميره.

اعتكاف واشتباكات
ابرز الازمات الحكومية كانت تلك التي واكبت حوادث 1969 عقب الصدامات الواسعة بين الجيش والقوى الامنية اللبنانية والتنظيمات الفلسطينية المسلحة، والتي رافقها قفل الحدود السورية مع لبنان واندلاع اشتباكات عنيفة بين الجيشين اللبناني والسوري والتنظيمات الفلسطينية المسلحة، فما كان من رئيس الحكومة رشيد كرامي الا الاعتكاف عن العمل الحكومي، ولم تنته تلك الازمة الا بتوقيع "اتفاق القاهرة" الذي ادى عملياً الى التخلي عن السيادة اللبنانية على بقعة من الاراضي اللبنانية في الجنوب والتخلي عن سيادة الدولة على ارضها على غالبية الاراضي اللبنانية، وهو ما شرّع الباب واسعاً امام الازمة الحكومية الثانية التي اندلعت في نيسان 1973 مع تكليف الرئيس امين الحافظ تشكيل الحكومة في 25 نيسان 1973 ، لكن حكومته لم تنل الثقة واستقالت اثر حوادث ايار 1973 التي اندلعت بين الجيش والقوى الامنية اللبنانية في اثناء محاولتها فرض سلطة القانون وسيادة الدولة على الاراضي اللبنانية في مواجهة ميليشيات المنظمات الفلسطينية المسلحة. وفي تلك الايام ردت السلطات السورية على تحرك السلطات اللبنانية بقفل الحدود. وانتهى الامر بالحافظ الى تقديم استقالته بعد تصريف الاعمال لمدة ثلاثة اشهر، وكلف الرئيس سليمان فرنجية بعده الرئيس تقي الدين الصلح تأليف الحكومة. وتلاه الرئيس صائب سلام الذي حاول تشكيل الوزارة في 3 تشرين الاول 1974، لكنه اعتذر في 21 منه.

حكومات الحرب المعطلة
بعد تعذر التأليف تم تكليف الرئيس رشيد الصلح تأليف الحكومة التي حملت الرقم 48 في تشرين الاول 1974، لتستمر الى 15 ايار 1975، وشهدت هذه الوزارة اندلاع اعمال العنف وبدء الحرب في لبنان مع حادثة عين الرمانة الشهيرة وما اعقبها من قتال بين المناطق مع بدء انهيار السلطة المركزية وكل مؤسسات الدولة، والحكومة لا تستطيع شيئاً بوزرائها ولا بقواها الامنية والعسكرية. وبعد شهر على بدء الاحداث اعتلى رئيس الحكومة رشيد الصلح منبر مجلس النواب مقدماً استقالة حكومته ومتهماً حزب الكتائب، بالبدء بالقتال، ولا تزال صورة النائب امين الجميل ممسكاً بالرئيس رشيد الصلح لمطالبته بالعودة الى مقعده لسماع رد الكتائب ماثلة في الاذهان. ليل 23 ايار 1975 اعلن القصر الجمهوري قبول استقالة الصلح وتأليف حكومة عسكرية برئاسة العميد المتقاعد نور الدين الرفاعي وعضوية سبعة عسكريين ومدني واحد، وكانت اول حكومة عسكرية في تاريخ لبنان لفرض النظام والامن. لكن اللبنانيين انقسموا حولها بين مؤيد ومعارض ومرحّب وعقدت الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية اجتماعاً وخلصت الى مطالبة الحكومة الجديدة بالاستقالة، وهذا ما حصل، ليتم تكليف الرئيس رشيد كرامي تأليف حكومة جديدة عملت على محاولة ضبط الوضع الامني فقط ووقف اطلاق النار. وحاول كرامي القيام بخطوة لفرض ضغوط على كل الاطراف، فاعتصم في السرايا وهدد بالاستقالة، وما ان هدأت الامور قليلاً حتى عادت الى التوتر. ورغم المساعي لإنزال الجيش واعلان حال الطوارئ، استمر التوتر ومعه تعطيل البلاد ودمارها.

حكومات برعاية سورية
ادى دخول القوات السورية لبنان منذ عام 1976 الى امساكها بجزء كبير من القرار اللبناني في تشكيل الحكومات، واذا كان التأثير السوري محدوداً مع الرئيس الياس سركيس وخلفه الرئيس امين الجميل، الا انه كان يتزايد وترتفع وتيرته مع تآكل سلطات الدولة اللبنانية وانحسار قدرتها على الامساك بالقرار، وخصوصاً على مستوى تشكيل الحكومات المتعاقبة منذ العام 1976. وتعاقب على رئاسة الحكومة منذ عام 1976 كل من الرئيس سليم الحص والرئيس رشيد كرامي الذي قدم استقالته في 4 ايار 1987 ليسقط شهيداً في اول حزيران 1987 ويعيّن سليم الحص رئيساً للحكومة بالوكالة. وكان يفترض ان يؤدي اللقاء بين الحص والرئيس كميل شمعون، قطب "الجبهة اللبنانية" واحد وزراء الحكومة، الى اعادة تفعيل العمل الحكومي، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث وقدم الحص استقالته لاحقاً الى الرئيس امين الجميل ليعود عنها في 2 ايلول 1988، الامر الذي رفضه الجميل.

عين الجميل في 22 ايلول 1988 قائد الجيش ميشال عون رئيساً للحكومة الانتقالية، الامر الذي رد عليه الحص بالرفض معلناً استمرار حكومته في مهماتها، وكان سجال دستوري وقانوني ادى لاحقاً الى ما يشبه المراسيم الجوالة بين الحكومتين، في ظل الشلل الناجم عن الاوضاع الامنية المضطربة التي كانت البلاد غارقة فيها، اضافة الى الازدواجية في عمل مؤسسات الدولة وخصوصاً في الجبايات والاموال الحكومية التي كانت ايضاً موضوع سجال عنيف واتهامات بالسرقة. وحسمت حكومة الرئيس سليم الحص، وهي الاولى في عهد الرئيس الياس الهراوي، الامر في 13 تشرين الاول 1990 من خلال الاجتياح السوري للمناطق الشرقية ولجوء العماد عون الى السفارة الفرنسية لتبدأ مرحلة جديدة.

حكومات الطائف
شهدت حكومات الطائف الكثير من الاعتكافات وعمليات التعطيل المضبوطة الايقاع وفق الحسابات والمصالح السورية في لبنان والمنطقة. وشهدت حكومة الرئيس عمر كرامي الـ 58 والتي نالت الثقة بـ76 صوتاً استقالة الوزير سمير جعجع، ومن ثم الوزير سليمان فرنجية احتجاجاً على تقديم الوزير مروان حمادة استقالته، وتعليق الوزير وليد جنبلاط مشاركته في الحكومة بعد عودة الجيش الى الشوف. لكن الابرز في مسلسل التعطيل كان ما شهده لبنان من احداث اصطلح على تسميتها بـ 6 ايار 1992، وادت الى استقالة كرامي وحكومته تحت وطأة الاعتصامات والتظاهرات المعدة سلفاً تحت شعار المطالب العمالية والاجتماعية، وتلاه في رئاسة الحكومة الرئيس رفيق الحريري الذي اعتكف مرات متهماً معارضيه بمنعه من اداء مهماته او عرقلة العمل الحكومي، لكن رفيق الحريري كان يعود كل مرة عن استقالته "اثر زيارة خاطفة للعاصمة السورية"، على ما كتب مؤرخو تلك الحقبة. استمرت الامور على وتيرة الايقاع السوري خلال عهد الرئيس اميل لحود، الذي وان كان قد تمكن بفضل قوة شخصيته والدعم السوري من فرض توازن بين موقع رئاسة الجمهورية والرئاسات الاخرى، الا انه كان يحتاج بشدة الى التدخل السوري لمواجهة حالات الاعتكاف، وخصوصاً من الرئيس الحريري الذي يقال انه اعتبر ان رئاسة الجمهورية تتجاوز ما هو منصوص عليه في اتفاق الطائف.

المفارقة ان الازمات الحكومية في زمن الوصاية السورية كانت تنتهي خلال مدة قصيرة، وكما بدأت، من دون ان تتضح حدود المصالح الشخصية والعامة في مسلسلات التعطيل الحكومي والاعتكاف هذه. في حين ان مسلسلات التعطيل في حكومات ما بعد زوال الوصاية تؤشر لعمق الازمة بين الاطراف المتصارعين وعدم اكتراث القائمين بها بمصالح الناس وحاجاتهم الحياتية، رغم ادراكهم لتراكم البنود وعرقلة العمل الاداري والمؤسساتي، وربما كان الامر يحتاج الى تبرير الوصاية السورية مرة جديدة، لان اللبنانيين غير قادرين على ادارة شؤونهم بأنفسهم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل