ثمة فارق كبير بين مفهومي التوفيق بين اللبنانيين في ظل ازمة كبرى كالتي نحن بإزائها، وتسوية مزعومة على الحقيقة والعدالة في جرائم ارهابية اودت بحياة باقة من القادة الاستقلاليين في لبنان. فمن يعلل النفس بتسوية يفلت بموجبها المذنب فقط لانه قادر على مزيد من القتل والترويع والترهيب، هو مخطئ في حساباته، لا بل واهم، لأن وقف عجلة القرار الاتهامي غير ممكن، ولأن زمن الاغتيالات الذي بدأ بأول الشهداء كمال جنبلاط ووصولا الى آخرهم في ثورة الارز يجب ان يوضع له حد، اقله على مستوى المحاسبة والعواقب.
فالقتل السياسي في لبنان ليس قدرا لا يردّ، وزمن تفوّق الانظمة والتنظيمات المسلحة على الحد الادنى من القانون والمساءلة يجب ان ينتهي. فتصفية الحسابات السياسية من طريق التصفية الجسدية هو علامة من علامات الانحطاط السياسي الذي وجب ان يخرج منه لبنان، أكان "حزب الله" المدجج بالسلاح معنيا به ام اي مواطن لبناني اعزل يذهب الى القتل لحسم خلاف في السياسة.
لا احد فوق القانون. هذه هي القاعدة الذهبية التي منها ينطلق العالم العربي بكل مكوناته الرسمية وغير الرسمية، الشرعية وغير الشرعية لوضع اسس اجتماعية سليمة تمكن المشرق العربي من خوض معركته التاريخية مع اسرائيل متسلحا بمجتمعات لا تعتبر نفسها في غربة عن اوطانها ودولها، ومنظماتها البديلة، وذلك على العكس مما هو حاصل اليوم.
ان مشروع ضرب المحكمة الخاصة بلبنان ليس واقعيا. ومهما تعاظمت قوة المسلحين هنا في لبنان، والدعم الذي يتلقونه من الخارج الاقليمي سيأتي يوم ليس ببعيد تتغير فيه الاحوال، ولن يجدوا من يقف في جانبهم متى دارت الدائرة عليهم.
ان المسعى التوفيقي السعودي – السوري جيد من حيث المبــدأ، مــع تحفـظ كثيريــن عن الـــدور الســـوري الملتبس لكــون دمشق معنية بالقــرار الاتهــامــي، ولاحقا المحكمة. ومن ير في المسعى التوفيقي عمـــلا هادفا للتهدئة لا يخطئ، بخلاف من يرى فيه تسوية لتهريب المذنبين، ومنحهم براءات ذمة، وجوائز على
ارتكاباتهم.
خلاصة القول ان لا افلات من الحقيقة ولا من العدالة بتسوية تنقذ المرتكبين، وتؤبد مرحلة الافلات من المحاسبة، بل ثمة مسعى توفيقي يهدف الى استيعاب ما سيكشف من حقائق مُرّة وبشعة كنا نتمنى لو لم تكن
في الاصل.