في مؤتمره الصحافي الاخير بعد اجتماع تكتل "التغيير والاصلاح" تكلم الجنرال عون بلغة الدستور واخذ على الخصوم السياسيين وعلى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مخالفتهم الدستور وتعطيله مستنداً على المادة (65) من الدستور الوارد فيها فقرة التصويت في قرارات مجلس الوزراء في حال تعذر الاجماع لم تراع من قبل الرئيسين سليمان والحريري وفريقهما السياسي.
هذا الطرح "الدستوري " للجنرال يجعلنا نسجل عليه الملاحظات الاتية:
اولا: جميل جدا ان ننادي جميعا يوما ما بالاحتكام الى الدستور كأول الطريق لاصلاح اوضاع البلاد السياسية والوطنية – لان تطبيق الدستور هو بداية المعالجات الرصينة للمعضلات التي نعاني منها مع فريق الجنرال السياسي وحلفائه وفي طليعتهم "حزب الله" – لكن الجميل اكثر هو في ان نتقيد جميعنا بالدستور بكليته في كل شيء وليس في ما يناسب مصالح بعضهم وحين يناسبه وبالقدر الذي يناسبه – نعني به الانتقائية من قبل حلفاء الجنرال والجنرال نفسه في تطبيق الدستور او المطالبة بتطبيق الدستور.
ثانيا: على هذا الاساس اذا كان الجنرال يطالب بتطبيق فقرة التصويت في مجلس الوزراء، فمن باب اولى ان يطالب باحترام باقي نص المادة (65) من الدستور كما باقي النصوص. واول ما يتبادر الى ذهننا في هذا المجال هو مخالفة الجنرال وحلفائه في "8 اذار" و"حزب الله" نص المادة (65) بكامله وبخاصة لجهة شل عمل مجلس الوزراء المفترض ان يكون السلطة الاجرائية والمفترض بموجب الفقرة (1) ان تضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها – فاين الجنرال وحلفاؤه من هذه الفقرة منذ اكثر من اسبوعين الى الان والمجلس معطل بفعل اصرار وزراء قوى "8 اذار" والجنرال على "بت" موضوع شهود الزور قبل الانتقال الى معالجة قضايا المواطن والدولة والشعب؟
لا، بل اين الجنرال وحلفائه من اليات عمل مجلس الوزراء المنصوص عليها في المادة (65) تحديدا لجهة عدم وجود ما يسمى "استنكاف وزاري " او "اصرار وزاري على فرض مواضيع" او اي من المصطلحات التي ابتكرها الجنرال وحلفاؤه في قلب مجلس الوزراء. وفي هذا الاطار نؤكد ما قاله الدكتور سمير جعجع من ان التصويت حصل فعليا بمجرد ان يكون هناك غالبية ترفض التصويت: فرفض التصويت هو بحد ذاته تصويت او استفتاء من داخل مجلس الوزراء على الموضوع المطروح.
ثالثا: اذا كانت المادة (65) واجبة التطبيق – وهي كذلك كما كل الدستور – فاننا نسأل اين "الثلث المعطل" في المادة (65) لا بل اين الحص الدستوري بفرض ثلث معطل على مجلس الوزراء فيما النص يتكلم فقط عن اجماع والا عن تصويت باكثرية الحضور: فاذا اردنا تطبيق النص نكشف البدعة غير الدستورية التي اقرت – خلافا للدستور وللمادة (65) تحديدا في الدوحة من خلال ما اصطلح على تسميته بالثلث المعطل – فهل الجنرال وحلفاؤه طبقوا المادة (65) من الدستور منذ الدوحة الى اليوم بموضوع النصاب القانوني والدستوري للقرارات؟
رابعا: طالما ان الجنرال يطالب بتطبيق الدستور، فأين الدستور ووزراء الجنرال من التضامن الوزاري المنصوص عليه في المادة (66) من الدستور: يتحمل الوزراء اجماليا تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة… فاذا بوزراء الجنرال – كالدكتور نحاس والاستاذ باسيل – يشاكسان في مجلس الوزراء ويتعاركون مع زملائهم ويخرجون عن الاجماع في اكثر من ملف وموقف، لا بل يحاربون الحكومة ويتهجمون عليها. فالدستور ايضا حفظ للوزير الذي لا يوافق على سياسة حكومته حق الاستقالة، والا فهو بحكم النص الدستوري ملزم بالتضامن الوزاري مهما كانت اراؤه ومواقفه مختلفة عن الحكومة، الا انه في النهاية يتضامن مع حكومته في ما تقرره الاغلبية وينتهي النقاش. فهنا ايضا نرى ان الدستور غير مطبق من قبل الجنرال ووزرائه ولا سيما المادة (66) منه.
خامسا: طالما ان الشيء بالشيء يذكر – اين احترام الدستور وتطبيقه عند الجنرال وحلفائه عندما يخالفون مجتمعين نص المادة (64) من الدستور ولاسيما الفقرة (6) ويحاولون فرض جدول اعمالهم على الرئيس الحريري في وقت تخص المادة الدستورية رئيس مجلس الوزراء وحده بصلاحية "وضع جدول الاعمال "ولا يكون ملزما باطلاع اي كان على الجدول الا رئيس الجمهورية مسبقا. فهل حلفاء الجنرال ولا سيما "حزب الله" ووزراء "8 اذار" يحترمون الدستور والمادة (64) من الدستور تحديدا؟
سادسا: كنا تمنينا على الجنرال وحلفائه ان يحترموا الدستور ولا سيما الفقرة (د) من مقدمته عندما اقدموا على اسقاط نتائج الانتخابات النيابية عام 2009، بدل احترامها والانحناء امام ارادة الشعب والاكثرية عملا بمبدأ الفقرة من ان الشعب مصدر السلطات لا السلاح ولا الاستقواء بالسلاح الحليف. كما كنا تمنينا على الجنرال وحلفائه ان يحترموا الى اليوم مبدأ الفصل بين السلطات في الفقرة (ه) من مقدمة الدستور بدل اجبار مجلس الوزراء على التدخل في العمل القضائي من خلال ارغامه على التعدي على نصوص المجلس العدلي لفرض اختصاصات جديدة عليه ليس منصوص عليها لا في قانون اصول المحاكمات الجزائية ولا في اي قانون اخر، واقرار احالة غير قانونية وغير دستورية بحد ذاتها لموضوع "شهود زور" الى مجلس عدلي مجلس الوزراء غير مخول بحكم النصوص الحالية احالته ولا المجلس العدلي بحكم النصوص الحالية مخول للنظر في مثل هذه الملفات والاحالات.
وكم كنا تمنينا على الجنرال وحلفائه في "حزب الله" ان يتوقفوا قليلا عند الفقرة (ب) من مقدمة الدستور التي تنص بوضوح على التزام لبنان مواثيق الامم المتحدة وشرائعها و"تجسيد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء "ليتوقفوا عن عزل لبنان دوليا تحت غبار معركة اسقاط المحكمة الدولية ورفض القرار الاتهامي العتيد.
في الختام، ان من يريد ان يبني دولة قانون ودستور يجب ان يبدأ بنفسه في احترام الدستور والقانون في كل شيء – وعليه ان لا يغطي مخالفات حلفائه للدستور والقوانين ولا ان يجد لهم تبريرات تجعله شريكا في جرم اسقاط الدستور ودولة القانون.
كما ان على من يتكلم بالدستور واحترامه ان يقبل نهائيا الرضوخ للعبة الديمقراطية البرلمانية ولقواعد الحكم والمعارضة لمصلحة الشعب والدولة اولا لا ان يرتدي التحالف مع مجموعات اخرى همها الدولة والدستور والنظام وكل تصرفاتها تخرج عن نطاق الدولة والاصول والنظام لان لديهم نظامهم ودولتهم وكيانهم الذاتي. فان كانوا اكثرية كما يدعون في مجلس النواب فليقلبوا النظام من داخل النظام وليعدلوا فيه وفق الاصول والقواعد الدستورية والديمقراطية والبرلمانية – وان كانوا حقيقة اكثرية كما يعتقدون فلماذا لا يسلكون الطرق الديمقراطية من داخل مؤسسات الحكم لفرض ارادتهم وتوجهاتهم وسياساتهم ولماذا يرتضون ببيان وزاري يناقضونه انتقائيا حيث لا يعجبهم ويؤيدوه انتقائيا حيث يعجبهم…؟
لذلك يا جنرال ان عدنا الى السجل الحافل لحلفائكم ولوزرائكم لوجدنا بانكم انتم من يخرق الدستور كل يوم وانتم وحلفاؤكم من هم بحاجة الى دروس في علم الدستور.
