مبارك عيد المحبة، عيد السلام، عيد ميلاد السيّد المسيح، مبارك هذا العيد للبنانيين جميعاً، وللعرب وللعالم أجمع، هذا اليوم من السنة يتميّز بأنه يوم الوئام والسلام، والتكاتف والتعاطف والاخاء بين الانسان وأخيه الانسان، حيث تعم المحبة سائر البشرية.
ولبنان، في هذا المعنى، يحتفل هذا العام، ككل عام، بالميلاد المجيد، يحتفل والتناقضات تعصف في أرجائه، والخلافات لا تجد لها حلولاً، هذا اللبنان الذي يتميّز عن غيره من البلدان بالفرادة التي تجعل منه مثالاً يحتذى للعالم أجمع، إذ ليس هناك في محيطنا العربي أو في العالم دولة لها فرادته وميزاته، فهو بلد التعايش والتعدّد بين الاديان والمذاهب والاتنيات، والتنوّع السياسي والاجتماعي، والكل يحتفل بهذا اليوم العظيم، مسلمون ومسيحيون، فهو يوم الخير العميم على البشرية، يوم التعاليم السمحاء، ما يجعل منه عيداً وطنياً شاملاً للبنانيين جميعاً.
إن التعددية والتنوّع في لبنان خير وبركة، لأن تعدّد الألوان يعكس مفهوم الربيع بانطلاقة الحياة، فالناس كالأزهار المتلونة المتناقضة والمتجانسة في آن، ولكل عبيره وعطاءاته، لأن الزهرة ذات اللون الواحد في حقل الوطن لا تعني حلول الربيع، وبالتالي لا تعني ولادة الحياة.
هذا اللبنان المتعدّد المذاهب والمشارب، وبكل أسف، عصفت به رياح السياسة، فقسّمته، وجعلت اللبنانيين يعيشون الهواجس والمخاوف، في معاناة يومية، يرزح المواطن تحت أعبائها التي لا ترحم، وكان الأحرى بالسياسيين التخفيف من التوتير السياسي رحمة بالبلاد والعباد.
وهذا اللبنان هو بلد السياحة بامتياز، فهي عمود اقتصاده الفقري، ونفطه الذي لا ينضب إن شئنا، ولكن المشيئة مرتبطة بمن يعكر صفو الامن، ويهوّل بالويل والثبور، ويقحم الخلافات السياسية حتى في رغيف الخبز الذي نأكل، ما يزيد معاناة اللبنانيين على معاناة، ولو نظرنا، وتمعنا قليلاً في الواقع السياحي لوجدنا أنه بألف خير عندما تهدأ السجالات السياسية، ولو لفترة وجيزة، وهذا ما نشهده من خلال قدوم السيّاح من كل حدب وصوب، خصوصاً الاشقاء العرب، الذين وفدوا مع إطلالة الأعياد في إقبال سياحي يذكرنا بالأيام الخوالي، أيام كان لبنان مكتبة ومطبعة ومستشفى العرب، يوم كان لؤلؤة الشرق بكل ما للكلمة من معنى.
نعم، توافد الاشقاء حباً بلبنان واللبنانيين، حتى لتجد من الصعوبة حجز غرفة في فندق، والإحصاءات الرسمية تقول إن تسعين في المائة من غرف الفنادق وأجنحتها محجوزة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن التخفيف من حال التوتير السياسي يؤدي الى نتائج ايجابية تنعكس خيراً عميماً على البلد، وكذلك، فإن توافد السيّاح، وبهذه النسبة المرتفعة، يدحض إدعاءات البعض عن الدين العام، فلولا الطرقات التي تم شقها وتعبيدها، والجسور التي أُنشئت، والبنى التحتية التي تم تأهيلها من جديد وعلى أسس علمية حديثة – ومطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري خير مثال على ذلك، فهو يستقبل سنوياً ملايين الزوار – كل هذا يؤكد صوابية الخطوات التنفيذية في مرحلة الرئيس الشهيد الذي حقق معجزة إعادة البناء والإعمار، ولو لم يفعل لكلفتنا هذه الإعادة اليوم أضعاف أضعاف ما كلفت، ولولا إعادة البناء والإعمار لما رأينا سيّاحاً ولا من يحزنون.
وانطلاقاً مما تقدّم، ندعو الله عز وجل أن يهدي سياسيّينا الى التي هي أقوم، وأن يخففوا من التوتير، حتى نصون هذا البلد، ونحصنه من أي أخطار أتت ومن أي جهة كانت.
لبنان دولة المؤسسات، لبنان الربيع الدائم، لبناننا هذا أمانة في أعناقنا، ومن خان الامانة لا دين له.
وعَوْد الى بدء، نقول مبارك هذا العيد المجيد، وجعل الله أيامنا كلها أعياداً لنرى التسامح والوئام والمحبة والاخاء عناوين هذا الوطن.