يا طفل المغارة، أردت الخلاص لنا فكان الخلاص. نسألك في هذا العيد مجددا الخلاص لأننا عدنا وغرقنا في مستنقعات الخطيئة. لكن خطيئتنا عظيمة هذه المرّة، فهي أكثر من أصليّة، خطيئتنا أنّنا لم نعرف يوماً أنّنا أخطأنا الا بعد فوات الأوان. هلا تأتي وتزور وطننا لتنقذنا من هول خطايانا؟
ندعوك هذا العام لأننا بأمسّ الحاجة الى حضورك وأنت تعلم فظاعة أعمالنا. هذا سرّ اعترافنا، نعلنه أمامك وأمام كلّ من منحته نعمة النّظر ليقرأ هذه الحروف.
يا طفل المغارة لقد جعلنا من عالمنا قصوراً فارغة تصدح فيها رياح الرّياء وعار الخيانة. هجرنا مغاور الأجداد في قنوبين وسكنّا هذه القصور. لم نعرف قيمة المغارة الا بعد أن هجّرونا من القصور فلمسنا قبحها ونضحنا عطر المغاور. اشتقنا الى بيئة الأوائل في قنوبين. لكن ما يعزّينا في كلّ هذا العالم المفعم بالخطيئة أنّ ما زال بعض الناس يقطن هذه المغاور ويرفض التّخلي عنها. ونحن قلّة منهم. لكن يؤسفنا أن نرى إخوانا في الإيمان والوطن يبيعونها في أسواق النخاسين تارة في بلاد الشام وطورا في بلاد فارس. يؤلمنا يا طفل المغارة أن نراهم ينعمون بالذهب لكن مطأطئي الرّأس كرمى عيون أسيادهم. يؤسفنا وأكثر ما يؤسفنا كيف يخوّنوننا ويشتموننا لأّننا أردنا "الوطن" فقط.
يا طفل المغارة، حاولنا كلّ الطرق معهم ولم نفلح. اقتتلنا معهم فلوّثنا أيدينا بغبار الزمن الأسود الذي لم يفارقنا حتى بعد انقضاء أكثر من عشرين عاما. حاولنا أن نحبّهم فهزؤوا بنا واعتبروا أنفسهم 70% ونحن لا شيء. أثبتنا وجودنا وفضحنا حضورهم. لكن ما انكفؤوا عن شتيمتنا وإيقاظ التّهم الملفّقة واحضارها من مزابل التّاريخ الذي لا نمتّ اليه بصلة. سامحناهم كما علّمتنا لكنّنا اليوم نراهم ينحنون أكثر فأكثر ليقبّلوا أقدام من ولوّه عليهم.
يا طفل المغارة، قصدنا مرّة من نصّب نفسه الاهيّا من عالمك في عالمنا، شرطه أن نقدّم له الطاعة كما قدّم أخوتنا بالإيمان طاعتهم. طبعا رفضنا لأنّك ما هكذا علّمتنا. نحن لا ندان بولاءين، ولاؤنا لك وولاؤنا لمن اعتبر نفسه فقيها علينا وفي زمننا. سخّروا الأبواق الرّخيصة ليبشّروا بكفرهم وبشهادتهم الزائفة لعالمك. فكانوا شهود زور بامتياز. وما يؤلمنا في هذه المسألة: لماذا يصرّ إخوتنا في الإيمان على كونهم شهود زور لملكوتك؟
يا طفل المغارة نسألك في هذا العيد العاشر بعد الألفين، أن تنير عقول إخوتنا في الإيمان أوّلا وتساعدنا كي نعود بهم الى القطيع الذي شردوا عنه. نسألك أن تعطينا القدرة على الصّبر لنعلّم ما علّمتنا ونشهد دائما للحقيقة كما شهد رفاقنا الذين ينعمون اليوم بملكوتك. ونسألك أيضا يا طفل المغارة أن تساعدنا لنقنع إخوتنا في الوطن ليتخلّوا عن ولائهم لغير الوطن ويعودوا بدورهم الى رحاب الوطن لأنّه يتّسع لهم فهم أبناؤه قبل كلّ شيء.
نسألك وفي قلبنا خوف. الخوف ليس من عدم استجابتك لنجواننا، بل خوفنا يكمن بأن يرفضوك مرّة جديدة بعد مجيئك لتهدم قصوراً فارغة قد بنوها بثلاثينيّات الفضّة التي قبضوها ثمن تسليمك للكفّار. أمّا نحن فكلّنا يقين أنّك معنا فأنت ربّ القواّت وقوّات الجحيم لن تقوى علينا مادمت معيننا.
هذا سرّ اعترافنا، قدّمناه أمامك، أغفر لنا خطايانا كما غفرنا لمن خطأ وأساء إلينا، اعطنا أن نصبر على مضطهدينا والأكثر أعطنا أن نحبّهم، لكن كما علّمتنا أن نكون حكماء كالأفاعي وودعاء كالحملان، أعطنا أن ننقذ وطننا لبنان من براثن هؤلاء الذئاب وأزلامهم الضّباع المتعطّشة الى الدّماء. ويوم تدين بالعدل كلّ أبنائك ترأف بهم لكن لا تنسى أنّهم باعوا لبنانك وقبضوا ثمنه قصورًا ومحطّات تلفيزيونيّة وإذاعيّة، وأرصدة في المصارف الأوروبيّة.
أمّا نحن في عيدك اليوم، فسنعيش رسالة المحبّة التي أوكلتنا بها. لن نتخّلى عنها مهما تعالت الصّعاب، ولن نتخلّى عن الأرض التي شربت من بئرها في صيدون واسترحت بفيئها في مغدوشة وحوّلت ماءها الى خمر أنشت أهل العرس في قانا.
يبقى خوفنا الوحيد من أن يصمّوا آذانهم ويفقهوا عيونهم ككلّ مرّة. لكن رجاؤنا كبير بان يستيقظوا من ثباتهم وتعود دورة التّاريخ لتسير وفق مسيرة الزمن الصحيح وسيأتي يوم، وهو حتما آت، سينتهي فيه هذا الزّمن الرديء.