ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها لطائفة الروم الارثوذكس المطران الياس عودة خدمة قداس الميلاد في كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت.
واعتبر عودة ان "عيد ميلاد الرب يطل علينا من جديد، وسنة أخرى تنقضي، وما زال هذا الوطن الجريح يئن وأبناؤه يتألمون ويدفعون من حياتهم وأعصابهم وآمالهم ثمنا لبقائهم. يحلمون بمستقبل زاهر وأيام سعيدة هانئة لأولادهم وينتظرون. ولكن إلى متى؟ ألا يستحق هذا البلد الجميل الذي يتغنى به الجميع التفاتة ضمير ممن يتحكمون بمصيره ومصير أبنائه؟ ألا يستحق أبناء هذا البلد، الذين لم يغادروه بعد رغم كل الصعوبات، أن يعيشوا فيه تحت حكم القانون والعدالة وحرية الفكر والمعتقد واحترام الذات والغير؟
وتابع عودة "صحيح أن الوضع الأمني تحسن والحمد لله، ولكن حديث الفتنة هو طبقنا اليومي. الجميع يحذر من الفتنة التي قد تقع، والجميع يرفضها. فإذا كانوا جميعهم ضد الفتنة فكيف ستقع إذا؟ وإذا وقعت، هل يمكن أن نجعل من هذا الشعب المسكين وقودا للفتنة؟ ألم يدفع ما يكفي خلال السنوات الطوال الماضية؟ ألم نتعظ من أخطاء الماضي والكوارث التي نتجت عنها؟ ليقف كل مسؤول أمام ضميره وليسأل نفسه ماذا أفعل من أجل وطني؟ ما هي الجهود التي أبذلها من أجل الخروج من المأزق الذي نعيشه؟ هل أتممت واجبي أمام الذين منحوني ثقتهم وولوني على مستقبلهم؟ هل أبذل أقصى ما بوسعي لإيجاد الحلول أو المساهمة في تذليل العقبات؟ هل أضع الوطن ومصلحته في أول أولوياتي أم أعمل على تقزيم الدولة وهدمها من أجل حصة لي أكبر فيها؟ وإن انهارت الدولة هل ستحكمون أطلالا؟
واشار الى انه إن ضعفت الدولة فالجميع يضعف وإن انهارت فالجميع خاسر. لماذا إذا لا يتكاتف الجميع من أجل إنقاذها؟ ولم انتظار الحلول من الخارج؟ لماذا هذا الإتكال المرضي على الخارج، مع محبتنا للجميع واحترامنا لجهودهم؟ من يتغنى بتاريخه العريق، وبأنه أبو الأبجدية وباني قرطاج ومكتشف الأرجوان وغيرها مما يتغنى به كل لبناني، هل هو عاجز عن حكم نفسه؟ ثم هل الإحتكام إلى الخارج يحل المشكلة؟ وهل هناك من يعطي مجانا في هذا العصر؟ وفي عالم السياسة؟.أين كرامة اللبناني الذي انتخبكم وأمنكم على مصيره ومستقبله؟ وأين كرامة الوطن إذا استقلتم من دوركم فيه تاركينه للخارج، مهما كان هذا الخارج أمينا؟ ماذا ستتركون لأولادكم؟ شبه وطن وشبه دولة مقسمة ومتعثرة وعاجزة؟. المواطنون كلهم يتساءلون لم لا نبعد المؤسسات الشرعية والأعمال الإدارية وتلبية حاجات الناس المعيشية عن الخلافات السياسية؟ من حق أي فرد في الوطن، مسؤولا كان أو غير مسؤول، أن يؤمن بما يريد، إنما من واجب المسؤول أن لا يجعل معتقده أو مصلحته أو ارتباطه عثرة أمام مسؤوليته. الاختلاف السياسي مشروع لا بل مطلوب من أجل أن يغني الحياة السياسية لا أن يعطلها".
وذكر انه "في البلاد الراقية الأحزاب السياسية تتصارع فكريا من أجل خير البلد وتقدمه، ولكن هل حدث فيها أن تسببت قضية، مهما كانت محقة وعادلة، في تعطيل مجلس الوزراء وشل البلد وأمور الناس؟ وهل يحصل في بلد حضاري ديمقراطي أن لا يجتمع مجلس الوزراء من أجل تسيير أمور الدولة والشعب؟.
واضاف "هنا، في لبنان، أصبح منتهى طموحنا أن يدعى مجلس الوزراء إلى الانعقاد. وقد سمعنا أن جدول أعمال الجلسة الأخيرة تضمن ثلاثمئة بند. ألا يعني هذا أن أمور الناس مجمدة؟ لماذا؟ أليس من حق المواطن أن يعطى تفسيرا واضحا عما يحصل؟ الشعب هو الوقود الدائم في الخلافات السياسية فلم لا يستيقظ الشعب ويحاسب؟ لم لا يرفض السير وراء زعماء لا يجني منهم إلا القهر والعذاب وهم ليسوا حيث هم لولاه؟ لم لا يؤلف الشعب حزب الوطن الجريح والمواطن المقهور عوض التصفيق لمن يتسبب في جرح الوطن وقهر المواطن؟".
وسأل متى نصبح مجتمعا يحكمه القانون الذي يطبق على الجميع بدون استثناء أو انتقائية، وتحترم فيه حقوق المواطن ويكال فيه بمكيال واحد وميزان واحد لأن الجميع سواسية أمام القانون؟ متى يصبح لدينا للوطنية مفهوم واضح وللعمالة مفهوم واضح، وما يسري على هذا المواطن يسري على ذاك وما يصح على هذا الزعيم أو المسؤول يصح على ذاك، فلا نعود نسمع مثلا أن جهة ما تطالب أحيانا بالتصويت وتصر عليه وأحيانا أخرى ترفض التصويت لأن الجهة الأخرى تصر عليه، ولا نعود نسمع أن أحدا يملي إرادته على مجلس الوزراء أو يفرض رأيه على سائر الأعضاء أو يتفرد في اتخاذ قرار يخص الدولة جمعاء.
وتساءل أليس من دستور يسير الأمور وعلى الجميع الرجوع إليه؟ لم لا نحتكم إلى نصوص الدستور ونطبقها ونطالب مؤسساتنا القيام بعملها الواجب؟ أليس من واجب مجلس الوزراء الإهتمام بإدارة شؤون البلد؟ أين مجلس الوزراء من هموم الناس وأمورهم الحياتية؟ ومهما سمت القضايا التي يختلفون حولها، هل هي أسمى من حياة الناس؟ ومهما كان بند محقا وهاما هل هو أهم من الوطن؟. وأين مجلس النواب من كل ما يجري؟ وأين النواب الذين انتخبهم الشعب ليتحدثوا باسمه ويدافعوا عن مصالحه؟.
وتابع علام الاختلاف؟ على الحقيقة؟ وهل الحقيقة تخيف؟ ألا يدعي الجميع أنهم يريدون الحقيقة، حقيقة من اغتال رجالا من هذا الوطن وكاد يغتال الوطن. في القديم تجرع سقراط السم في سبيل الحقيقة واستشهد الكثيرون من أجلها. أفنتقاتل نحن من أجل طمسها؟ لم لا ننتظر نتائج التحقيق بروية وصبر، ولم لا يكون الجدال القانوني سبيلنا عوض التراشق الكلامي والإستفزاز الإعلامي وغيرها من الأساليب التي تشعل النار عوض إخمادها؟. ألا يستحق من اغتيل من ابنائنا والقادة أن نتضافر من أجل معرفة من اغتالهم وفاء لهم وحماية لغيرهم. ألا يفعلون هذا في الدول المتحضرة والمتقدمة حيث للانسان حضور ووجود وقيمة، وقيمته في حد ذاته لا تضاهيها قيمة، كون كل إنسان عزيز في عيني الرب. فالتغاضي إذا عن الجريمة جريمة تجاه النفس وتجاه الآخرين، ودعوة الله لنا جميعا في هذه الحال أن نجتمع على الحق".