ما وراء ازمة القرار الاتهامي …

من يظن وللحظة ان كل القضية اللبنانية اليوم اصبحت تختصر بقرار اتهامي او بمحكمة دولية يكون من السذاجة بمكان – بخاصة ان التلهي بانتظار المبادرات الخارجية والحلول العجيبة الغريبة من شقيق او صديق– تحول مع الايام الى احدى عناصر استراتيجية كسب الوقت واستثماره خير استثمار فيما حقائق الازمة الحالية في لبنان تستمد جذورها مما هو اعمق واخطر مما لم يعالج يوما منذ الطائف – بحيث اننا نجد ان الاوان قد ان لوضع بعض الامور الجوهرية في نصابها لاعلام الرأي العام وتوجيه المواطن الى مكامن المشكلة اللبنانية الاساسية التي – وان استمرت مستعرة – فانه لن يكتب للبنان يوما ان يعيش استقرارا دائما وسلاما معمرا، بل لن يكتب له الا العيش في ظل مسكنات تسويات ظرفية الى ان يقضي الله امرا.

اولا: بالعودة الى اصل الصراع في لبنان وعلى لبنان نجده حصيلة لعنة جيو – استراتيجية – متمثلة بالصراع العربي – الاسرائيلي الذي تحول بعد انتهاء الحرب الباردة الى صراع سوري – ايراني – اسرائيلي – غربي تحديدا بعد انكفاء اكثرية الدول العربية عن الصراع وتوقيع بعضها اتفاقات ومعاهدات سلام واتخاذ خطوات تطبيع وصولا الى المبادرة العربية للسلام.

فاللعنة الجيو – استراتيجية هي التي يجب التصدي لها اليوم اذا اردنا الخروج بلبنان معافى يكتب له عمر مديد وان يكون يوما دولة سيدة حرة ومستقلة بكل ما لهذه الكلمات من معاني سواء عن محيطه القريب او جواره البعيد او عالمه البعيد.

لازالة هذه اللعنة علينا ان نفكر من الان وصاعدا – وربما كان علينا ان نفكر منذ استقلال 1943 – ومنذ نكبة 1948 – ومنذ نكسة 1967- بكيفية اقامة شبكة امان لبنانية داخلية تقينا لعنة كون لبنان او تحوله الى خط تماس وحيد للصراع الاقليمي وتصارع المصالح الدولية – منذ ايام الحرب الباردة بين جباري العالم الى ايامنا هذه – فبعبارة اوضح لن نستطيع الخروج من دوامة الصراعات والتناحر والانقسامات اللبنانية الداخلية طالما بقي لبنان خط التماس الوحيد المكشوف امام الصراعات وتطاحن المصالح في المنطقة والعالم.

ثانيا: ان ما يطالب به "حزب الله" اليوم لبنانيا هو بالتمام والكمال ما سبق لمنظمة التحرير الفلسطينية ان طالبته من الدولة اللبنانية عام 1969 فيما سمي اذعانا باتفاق القاهرة: حرية عمل فدائي مسلح على ارض الجنوب وانطلاقا من ارض لبنان لمقاومة اسرائيل باسم القضية المركزية وباسم كل العرب والمسلمين وباسم المستضعفين ضد قوى الاستكبار والامبريالية والتصهين – خلق فتح لاند جديد لـ"حزب الله" – واطلاق يده وانكفاء السيادة اللبنانية للدولة عن ثلث الارض اللبنانية ومن ثم عن نصفه تكريسا لدور لبنان في كونه خط التماس الوحيد اليوم في الصراع السوري – الايراني – الاسرائيلي – الاميركي – وبالتالي اخذ لبنان كله رهينة مشروع "مقاومة ما" بعد ان كنا بصدد مشروع مقاومة لبنانية وحسب – لكن وبدل اتفاق القاهرة حاولوا فرض بندا سادسا في بيان وزاري … لحكومة الفشل الوطني …الحالية.

ثالثا: ان اي ازمة داخلية في لبنان لن يكتب لها الا ان تجد تسويات موقتة وليس حلول جذرية طالما انه ليس هناك اجماع لبناني على نزع صفة خط التماس الوحيد في المواجهة ضد اسرائيل – عن لبنان – في الصراع الاقليمي والدولي المستحكم في المنطقة وعلى ارضه اليوم وان بوجوه جديدة وادوار متجددة ولاعبين مصطنعين – فلا نحلم بحلول جذرية لمشاكلنا طالما ان قسما من اللبنانيين اليوم يرتضون للبنان دور رافعة صراع المحاور الاقليمية (السوري – الايراني في مواجهة الاسرائيلي – الاميركي – الغربي – العربي المعتدل) ودور ان يكون لبنان المحرقة والجبهة الوحيدة في المنطقة وعن المنطقة بغض النظر عن ارادة اللبنانيين ودور الدولة اللبنانية ومتطلبات بنائها وتقويتها وتعزيزها ومساعدتها على استعادة سيادتها واستقلالها – فلا يمكننا ان نأمل بدولة حقيقية وقادرة في لبنان طالما لم ننزع فتيل الحرب الاقليمية والعالمية المعلنة فيه وعلى ارضه – حتى تسوية قضية فلسطين – بالامس مع منظمة التحرير واليوم مع "حزب الله" وطبعا من وراءهم مِن مَن دول المحور.

رابعا: كل التحدي اليوم ان نبقى كلبنانيين احرارا واصحاب مشروع حياة ومستقبل للبنان – مشروع عبور الى الدولة التي نحلم بها – محافظين على انفسنا وعلى ما تبقى من هيبة وسلطة دولة وسيادة وقانون ومؤسسات – وان نعمل من دون كلل ولا ملل في استقطاب القدر الاكبر من الرأي العام اللبناني والعربي والعالمي الى جانب قضيتنا في "14 اذار" وقوى "ثورة الارز" – ليبقى لبنان في حده الادنى محافظا على نفسه ووجوده السياسي من خلال صيغة يجب ان نتوصل اليها انطلاقا من ما اظهرته الاصطفافات الوطنية اليوم عن عمق وخطورة وجود خلافات كيانية ومتأصلة بين اللبنانيين لم تعد معها تنفع لوحدها الـ"س – س" ولا الدوحة ولا اي مبادرة في تطويقها كليا وحلها جديا – بحيث باتت تلك الصيغ والمبادرات اقصى ما يمكننا ان نتأمله في ظل المعضلات الاقليمية والدولية للصراع الحالي الدائر على ارض لبنان.

فاهم ما انجزه "حزب الله" منذ الانسحاب السوري عام 2005 ومعه حلفاؤه هو اعادة ربط لبنان بازمة المنطقة – بحيث اطيحت صيغ بناء الدولة واتفاقات الوفاق الوطني واعادة بناء اللحمة والوحدة بين اللبنانيين لصالح مشاريع اقليمية وادوار للبنان مناقضة تماما لمسيرته الطبيعية في بناء ذاته واستعادة سيادته واستقلاله – بحيث اعاده الحزب الى نقطة البداية الى محطات ربط الوطن بازمات الاخرين وتدفيعه وحده الاثمان الباهظة في تسلسل ازمات تاريخية وزمنية شبيهة بتلك التي توقف عندها الوطن ومصيره عام 1958 وعام 1969 وعام 1973 وعام 1975 وعام 1982 وعند حصول اتفاق 17 ايار 1983 وما تبين من ربط بين موضوع تأمين انسحاب اسرائيل من لبنان يومها ومتطلبات الصراع الاقليمي في ظل اشتعال الحرب الباردة بين الجبارين الاميركي والسوفياتي – وقد كان لبنان على الدوام الضحية ودافع الفواتير والاثمان.

خامسا: في هذا السياق نعتقد ان ما يحكى عن مسعى سوري – سعودي لحل موضوع القرار الاتهامي والمحكمة الدولية – وبغض النظر عن التسريبات الاعلامية من هنا وهناك – يبدو كطبخة بحص لن يستطيع ان يعالج المعضلة الاساسية: حمل "حزب الله" على القبول بالمحكمة الدولية والاقرار بالشرعية الدولية التي يخاصمها اليوم مخاصمته لاسرائيل – فكل ما دون هذا السقف لن يكتب له الا الفشل او الجمود او المراوحة.

وبصراحة كلية نقول ان كون احد الوسطاء هو في الوقت عينه الخصم الخلفي لفريق كبير من اللبنانيين ونعني به سوريا – وبمعرفتنا وخبرتنا بالسياسة السورية في لبنان وتجاه اللبنانيين كافة على مر العقود – وكون السياسة السورية تضع لنفسها المقاومة خطا احمر لا يمس والانحياز الواضح والفاضح والمعلن لفريق لبناني ضد الفريق الاخر، فاننا لا نرى الى اين يمكن ان تصل الـ"س – س" والى اي صيغة يمكن ان توفق.

وكما ذكرنا بداية يبقى ان الاشكال الكبير اليوم بشأن المحكمة الدولية والقرار الاتهامي ليس سوى الجانب المعلن من ازمة اعمق واخطر وعقدة امر: الا وهي ازمة لبنان الدور ولبنان صيغة الكيان وصيغة تقرير مصيره – كونه بحكم الجيو- سياسة ورقة تقاطع المحاور والمصالح… وتناقض الرؤية والنظرة اللبنانية – اللبنانية للبنان ودوره في المنطقة والعالم… وهنا بيت القصيد… لا بل بيت النار…

فهل انتهينا من زمن السيادة المنقوصة مع الوصاية المباشرة لندخل زمن تفتيت وتشتيت ما تبقى من السيادة على يد الحزب وحلفائه؟؟؟

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل