إذا صحّت التركيبات واللغويات والتسريبات والحكايات المتناسلة رغم العطل والأعياد والفرفشة، فإننا سنكون إزاء أيام آتيات مليئات بالمحطات التي توصف في عادي الكلام بأنها مفصلية.
والمفصلية المذكورة آتية من المفاصل. وهذه على عكس ظاهرها تربط ولا تفصل، وتشدّ ولا تحلّ. وهي أساسية في الجسم الحي مثلما هو العمود في أي بنيان مادي.. ولذلك فإن المصطلح يؤخذ ويدوّر ويُسقط على أحوالنا السياسية والأمنية وكل ما يتفرّع منهما وعنهما.. ويُستعار كثيراً في راهننا للدلالة الى جلل أحداثنا، والآتي منها مع مطالع العام الجديد.
والحاصل الفاصل، يا اخوان، هو اننا زمطنا أو نكاد بفسحة الأعياد. ويُفترض من حيث المبدأ أن نكمل الزميط حتى ذلك الموعد "المفصلي"، الذي يفصلنا عن مرحلة ويربطنا بواحدة أخرى. أي ان الذي صار معلوماً ومسموعاً هو ان روّاد الغضب والممانعة حسموا أمرهم وقرروا تزفيت طريق التعطيل بعد أن فتحوها ونعّموها منذ فترة. وهذه الطريق ستوصل الى أزمة سياسية مفتوحة تطال الحكومة أولاً وما يتفرع عن ذلك ثانياً وثالثاً وحتى آخر العد الخاص بالدولة ومؤسساتها.
أي ان ذلك المسار التوتيري الذي تلا حرب تموز 2006 سيتكرر في بعض محطاته البارزات. وستُعمم مصطلحات التعطيل والكربجة والعرقلة وتقطيع أوصال السياسة والجغرافيا والروابط الأهلية، باعتبار إن كل ذلك سيكون جزءاً من عدّة الحرب ضد المحكمة الدولية والقرار الاتهامي.
وتلك الحرب، في عُرف الغاضبين الممانعين، لا يمكن أن تُحسم إذا لم يُمسح "سنسفيل" اللبنانيين بالأرض.. وتُمنع مؤسساتهم الشرعية من العمل والإنتاج. وتتوقف دورة حياتهم المالية والتجارية والتنموية عموماً. وإذا لم يستوعب أصحاب لبنان انهم سيخسرون فيه ومنه الكثير في حال لم يوافقوا على بيعه أو تلزيمه لأصحاب المشروع الممانع الآخذ على عاتقه سلفاً، محاربة ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ومن عليها، إذا لم يُصَر الى تأدية تحية الإذعان والتسليم والقبول بتأجيل أو تعطيل العمل بالعدالة حتى إشعار آخر!
وكأن العصيان في هذا المسار هو حل وسط بين الانقلاب المستحيل والتراجع الذليل. وبين الفلتان الأمني الممنوع (؟) إقليمياً ودولياً، والركون التام لمقتضيات العدالة وأحكام الشرعيتين المحلية والدولية الممنوع بدوره.. إقليمياً فقط.
وللبعض أن يتفاءل. ويُكثر من ذلك التفاؤل. وهو على أي حال، محقّ في إرتكابه هذا.
إذ ليس أمراً بسيطاً أن تُقضى أمورنا الكبيرة والخطيرة بالأبيض وليس بالأسود أو الأحمر، وعلى البارد وليس الساخن، وأن تُلجم المصيبة عند حدود الشارع فلا تنزل إليه ولا تستعر، وأن تبقى في النفوس ولا تخرج الى الفؤوس، وما أدراك ما حديث الفؤوس عندما تدور الرؤوس في هذا الشرق النائم في كتاب تاريخه، ولا يستيقظ إلا ليعيد كتابته مرة تلو أخرى وبالأحمر القاني إياه.
أزمة سياسية مفتوحة، وفقط ذلك؟.. ترف حقيقي فلنحافظ عليه! وشكراً.