ليس تعطيل الدولة والمؤسسات، كما هو حالها الآن في لبنان، حدثا طارئا أو جديدا فيه. هو سياسة معتمدة من بعض قواه السياسية منذ سنوات، وتحديدا منذ ذلك القرار المشؤوم بالتمديد للرئيس السابق اميل لحود في العام 2004، ثم ما تلاه من تمزق في الحياة السياسية وصولا في العام 2005 الى الجريمة الكبرى باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ولائحة الشهداء الآخرين على امتداد ما يقرب من عامين.
اعتكاف الوزراء في العام 2006 كان تجسيدا لهذه السياسة، كذلك كانت استقالتهم في مرحلة لاحقة من الحكومة، ثم بعد ذلك اقفال مجلس النواب والاعتصام المديدان في وسط العاصمة، من دون نسيان التعطيل شبه الدائم من داخل الحكومات نفسها سواء في الحكومة التي ترأسها الرئيس فؤاد السنيورة بعد جريمة 7 أيار واتفاق الدوحة أو في الحكومة الحالية التي يترأسها الرئيس سعد الحريري.
وبغض النظر عن الذرائع التي استخدمت في السابق، وتستخدم اليوم، لتبرير عملية التعطيل التي تقدم عليها القوى نفسها كل مرة، فلم يعد هناك من شك في أن الهدف كان وما يزال هو هو: الغاء الدولة اذا لم تكن "الدولة" التي تحلم بها هذه القوى، بل وحتى دولتها وحدها من دون ما عداها!.
في الشكل، تبدو الذرائع السابقة ومثيلتها الحالية وكأنها تنطلق من زاوية واحدة، أو أنها تدور في الحلقة اياها: "المحكمة الخاصة بلبنان" وتوابعها من قرار اتهامي للمدعي العام لم يصدر بعد، ومن تسريبات اعلامية حول ما يمكن أن يحتوي عليه هذا القرار، ثم ما يسمى بـ"شهود الزور" الذين ظهروا (أو ظهروا، بضم الحرف الاول) في أثناء التحقيق بالجرائم المستمر منذ خمسة أعوام حتى الآن. لكن ذلك لا يحول دون ملاحظة أن التعطيل نفسه لم يقف عند حدود المحكمة، ولا القرار الاتهامي، ولا أخيرا ما يسمى بـ"شهود الزور".
هل تكون المماطلة في اقرار الموازنة العامة للدولة، في لجنة المال النيابية قبل احالتها على الجمعية العامة للمجلس، وعلى مدى أربعة أو خمسة شهور حتى الآن، غير أسلوب آخر من أساليب التعطيل التي تعتمدها السياسة المشار اليها؟.
وهل تكون الحملات المنظمة، والمتلاحقة واحدة بعد أخرى، على قوى الأمن الداخلي وفرع المعلومات فيها، وعلى القضاء ومجلس الانماء والاعمار والهيئة العليا للاغاثة والمؤسسات الحكومية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، وحتى على الجيش في بعض الأحيان، فضلا عن وزارات المالية والاتصالات والدفاع الوطني والداخلية، الا طريقة أخرى من طرق التعطيل اياها؟.
وهل يكون حجب عائدات الدولة من شركتي الاتصالات الخلوية، وعدم تحويلها الى الخزينة في موعدها، ثم افتعال مشكلة بعد أخرى مع كبار الموظفين في وزارة الاتصالات وفي هيئة "أوجيرو" المرتبطة بها، الا رافدا آخر من روافد مستنقع التعطيل نفسه؟.
بل هل يكون "استدعاء" القوى الأمنية ورجال الدرك وشرطة السير الى الضاحية الجنوبية أو غيرها من أجل حل مشكلات طارئة هنا وهناك، ثم منعها من العمل في ما يتعدى ذلك، بل و"الاستغناء عن خدماتها" بمجرد انهاء مهمتها المحددة، سوى فصل آخر من فصول سياسة التعطيل المنظم اياها؟.
… واللائحة طويلة بحيث لا تتسع هذه العجالة للحديث المفصل عنها.
لكن ما يبقى هو أن سياسة التعطيل، التي يتأكد في كل مناسبة أنها ثابتة ومتفق عليها ومنسقة بين الأطراف المؤتلفة و"المتفاهمة" حولها، انما تعمل على ابقاء الدولة مغيبة (نظرية اللادولة، بالمعنى الفوضوي للكلمة)، أقله في الظروف المحلية والاقليمية والدولية الراهنة، بانتظار أن تسنح الفرصة للقفز باتجاه اقامة "الدولة" الأخرى … دولتها الخاصة، بصرف النظر عن أي رأي مختلف فيها.
فعندما يقال، في الصحافة وعلى المنابر وعبر الشاشات، أن الهدف الآني هو قلب الأوضاع اللبنانية رأسا على عقب، تحت عنوان انهاء "الانقلاب" الآخر الذي حدث في العام 2005، فلا معنى لذلك الا معنى اعادة الحياة السياسية اللبنانية الى ما كانت عليه قبل ذلك لجهة ما كان معروفا بالجهاز الأمني اللبناني ـ السوري المشترك ووصايته على شؤون البلد سياسيا واقتصاديا واداريا واجتماعيا الخ…
وعندما يقال في الوقت نفسه ان ما بعد لن يكون كما كما قبل، وأن على الآخرين أن "يبلطوا البحر" اذا أرادوا، وأن حكومة من نوع مختلف ينبغي أن تبصر النور بنتيجة ما يشهده البلد من شد وجذب سياسيين، وأن فلانا أو علانا من المسؤولين اللبنانيين لم ينفذ كل أو بعض ما طلب منه على صعيد انهاء السياسة المالية المعتمدة واعادة تركيب المؤسسات والاجهزة الأمنية والقضائية والادارية، فلا معنى هنا كذلك الا معنى فرض مفهوم آخر للدولة (بالقوة، أو بالتهويل بها) على اللبنانيين أيا كانت توجهاتهم وآراؤهم فيه.
وعندما يقال، عند توافر المصلحة، أنه لا قرار ممكنا الا بالتوافق (التعيينات الادارية من مجلس الوزراء مثلا)، وأنه لا بد من اعتماد التصويت في اتخاذ القرارات في هذا المجلس (مسألة "شهود الزور" مثلا آخر)، فلا حاجة الى اعمال العقل في تفسير معنى التعطيل.
ذلك أن كلاما صريحا من هذا الصنف، مرفقا بـ"أمر واقع" أمني ومالي واقتصادي واداري على الأرض، ومدعوما بما يسمى "الثلث المعطل" في مجلس الوزراء، لا يفيد في حقيقته الا بأن الدولة يجب أن تبقى غائبة، بل مغيبة قسرا، الى أن يحين أوان قيام "الدولة" الأخرى التي تحلم هذه القوى بها.
للمناسبة، عندما سئل رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون عن احتمال لجوء حليفه "حزب الله" الى تنفيذ انقلاب عسكري وسياسي في لبنان، رد ضاحكا انه في كل حال، وبحكم التحالف بينهما، سيكون له نصف "دولة" ما بعد هذا الانقلاب.
يكشف البعض علنا، في بعض الأحيان، ما يفكرون به في السر!!.