#adsense

الوفاق روح الدستور الألم روح الفرح !

حجم الخط

صحيح أن مصلحة لبنان مسؤول عنها رئيس الجمهورية، وأن لا أحد يمكنه سياسيا ودستوريا، وحتى أخلاقيا، أن يحدد للرئيس أي ساعة يصوِّت، وكيف ولمن، أو لا يصوِّت، ولكن ماذا نفعل أمام أولئك الذين يظنون أن موقع الرئاسة هدف يمكن اجتياحه بالتطاول أو حتى الافتراء أحيانا، وأولئك الذين يعيشون الى ما قدَّر الله في وهم ذلك الكرسي الضائع وفي الاحلام الكابوسية المفترضة التي لا تعرف الهدوء أو الراحة او النوم او حتى مجرد الحديث من دون جعل الحروف بارودا ونارا!

الدستور يشدد على الوفاق والرئيس ميشال سليمان يسهر على الوفاق، وكذلك يفعل رئيس الحكومة سعد الحريري، وروح الوفاق يفرض على رئيس الجمهورية تحديدا، أن لا يجعل مثلا من التصويت في مجلس الوزراء في مسائل انقسامية حساسة سكينا تجز رقبة الوفاق المختنق أصلا، من الوريد الى الوريد.

وتماما كما قال سليمان في بكركي، من حق الرئيس، لا بل من واجبه الأسمى أن يدرس الوضع ويقِّوِّم الاحتمالات ويضرب الأخماس بالأسداس، ليقرر متى يذهب الى التصويت ومتى يمتنع عنه حفاظا على شعرة معاوية اللبنانية.

❐ ❐ ❐

ولكن ماذا يمكن القول للذين وصل بهم الأمر الى حد السعي لتقييد الرئيس في مسؤولياته الوطنية وصلاحياته الدستورية، أو للذين وصل بهم الأمر الى حد الغرق في أحلام يقظة واهمة، بأن الارض ستميد من تحت أرجل الناس فينقلب الوضع وتعم الفوضى وتستجد ظروف تخلق فراغا في المقام الرئاسي، وعندها تنزل ملائكة من السماء تحمل ذلك الرئيس المنتظر، الذي اختاره الله لتضعه في قصر الشعب.

لكن لا الله سبحانه في ملكه وفي خلقه وما خلق، يمكن أن يختار لنا رئيسا يقدح بالشرر والغضب الساطع ولبنان من بارود، والناس في خلاف وذعر وصريف أسنان منذ أعوام كثيرة؟ ولا ربنا الذي في السماء يريد إرسال ملائكة في مهمة تخريبية من هذا النوع الذي جربناه في حروبهم وطواحين الهواء، وفي "سلمهم" الذي يريدون أن يفرض على المسيحيين اللبنانيين الصلاة امام المذبح الأوحد، لا قبلي فخامات ولا بعدي فخامات.

لكن الرئيس ميشال سليمان بكل هدوء وتواضع أراد أن يقدم للبنانيين، الودعاء منهم والمقهورين ايضا، والذين تتمزق أمعاؤهم كمدا، معايدة هادئة صادقة وبسيطة، الدستور يشدد على الوفاق وأنا حريص على روح الوفاق وليس منطقيا أو مقبولا تقييد رئيس الجمهورية بصلاحياته.

❐ ❐ ❐

بينما كان الرئيس سليمان يشدد على ضرورة احترام الدستور، كان سيدنا المطران الياس عودة يحرص كعادته في مناسبات الاعياد على استعمال السوط الذي حمله السيد المسيح يوم دخل لتطهير الهيكل.

لكن متروبوليت بيروت وتوابعها لا يملك سوى الكلمة. كلمة الحق والايمان هي سوطه في وجه الذين جعلوا من الوطن ساحة فالتة للمصالح والانانيات والاطماع والاوهام والنخاسة السياسية والمنافع والوصوليات.

وهكذا بدا عودة في عظة الميلاد وكأنه يبحث تكرارا عن بقية من ضمير في هذا البلد التاعس، ضمير يسأل: ماذا أفعل من أجل وطني؟ ماذا فعلت لإخراجه من المأزق؟ هل قمت بواجبي حيال من منحوني ثقتهم؟

تماما كما قال جون كنيدي في خطاب توليته الرئاسة الاميركية: لا تسأل ماذا قدمت لي أميركا، إسأل ماذا قدمت لأميركا؟
يعرف المطران عودة ويتألم. يتهدج صوته ألماً. والشهادة في الميلاد والمسيح لا يطغى فيها الفرح على الألم، يعرف كيف يتم تقزيم الدولة وهدمها وتوزيعها حصصاً ومناصب.

يعرف مدى القعود الذي أصاب المسؤولين ومدى الوحول التي تتسخ بها المسؤولية.
يعرف أن التسييس الرخيص أصاب روح الواجب وجوهر الاخلاق وعمق المسؤولية. ويعرف ان كرامة الوطن على قارعة الطريق، وأن كرامة المواطن في سلة المهملات.

يعرف كل هذا ويتألم، ولا يستطيع ان يتجاوز واجب التعبير عن هذا الألم، سواء في ميلاد المحبة أو في صلب التضحية. ويعرف ويسأل: لماذا لا يؤلف الشعب حزب الوطن الجريح والمواطن المقهور، ولا ينسى أنهم حتى هذا لا يسمحون به لأنهم أصحاب الوكالات الحصرية عن الفرح والاستقرار والناس في تعاسة وقلق، الى درجة أنه "لم يعد يستحق من اغتيل من أبنائنا والقادة أن نتضافر لمعرفة من اغتالهم وفاء لهم وحماية لغيرهم".

يعرف ونعرف ان فرح الميلاد في لبنان لم يعد ليستقيم من دون الحديث عن طوفان التعاسة الذي يغمر الناس وكلهم فقراء في هذه المتاهة من الجغرافيا والاحتشاد البشري، ربما لأن لا معنى للفرح من دون الابحار في الحزن، ولا وجود للرجاء من دون هذا الغرق في الطوفان من اليأس.

المصدر:
النهار

خبر عاجل