إيجابيات إقليمية لم تصل انعكاساتها إلى لبنان
الاستقرار الداخلي محور "المقايضات" المطروحة
تتوقع مصادر سياسية في بيروت ان تبلور الاتصالات الجارية في فترة الاعياد بعيدا من الاضواء بعضا من الاجواء السياسية التي تسودها الضبابية حول مسار الامور التي يكثر الكلام عليها والتي يتم تظهيرها في مواقف تراوح مكانها من دون اي جديد يذكر. وبمقدار ما يعول على الزيارة التي يقوم بها رئيس الحكومة سعد الحريري الى نيويورك للاطمئنان الى صحة الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز وما يمكن ان يحصل من اتصالات جانبية مع معاونيه يتم التعويل كذلك على الاتصالات التي يقوم بها "حزب الله " من جهته مع كل من سوريا وايران وكان من بينها اخيرا لقاءات مع معاون رئيس مجلس الامن القومي الايراني علي باقري في اثناء زيارته لسوريا في الايام القليلة الماضية.
وتلفت مصادر سياسية في بيروت الى منحى مفاجئ يتمثل في انه كان هناك اعتباران مهمان يعتبران مؤثرين في مسار الامور في لبنان توترا او تصعيدا وهما تطورات الملف النووي الايراني والوضع العراقي، غير ان ايا من هذين الموضوعين لم يرد في القاموس الخطابي للسياسيين اللبنانيين في الآونة الاخيرة في حين انهما عاملان لا يمكن تجاهلهما في سياق تأثيراتهما على لبنان والمنطقة. اذ ان كلا من الملفين شهد تطورات ايجابية يفترض في منطق الامور ان تنعكس ايجابا كما كان يؤدي ترديها سابقا الى تردي الوضع الداخلي. فهناك من جهة الملف النووي الايراني الذي ستجتمع ايران من اجله مجددا مع الدول الست اي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن والمانيا خلال الشهر المقبل في اسطنبول من حيث المبدأ، وفق ما جرى الاتفاق في اللقاء الذي جمع هؤلاء جميعا في جنيف في 7 كانون الاول الجاري، وقد طرأ على هذا الملف ما يمكن اعتباره ايجابية نسبية مبنية على واقع الانتقال الى اجتماع آخر ولو ان النتائج لم تكن كبيرة في الاجتماع الاول ومبنية على واقع الاعتقاد ان ايران تراهن على فتح المجال امام مفاوضات مستمرة من اجل مبدأ المفاوضات اكثر منه من مبدأ الوصول الى نتيجة في موضوع ملفها النووي. كما ان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد اعطى انطباعات عن ارتياح ايران لهذه المفاوضات من خلال وصفها بانها كانت جيدة جدا بالتزامن مع تراجع المواقف الايرانية المرتفعة السقوف في صدد الملف النووي ولو ان ايران لم تتراجع عن اي من مواقفها.
وبغض النظر عما كان منتظرا من هذه المفاوضات فان بعض المعطيات تفيد بان هناك حاجة للتقدم في ظل ركيزتين للسياسة الاميركية في هذا التفاوض تقومان على الحوار والتهديد بزيادة العقوبات الاقتصادية التي لا يمكن القول انها لم تؤثر في الواقع الايراني وتضغط عليه، اقله وفق ما يقول ديبلوماسيون غربيون بحيث يؤكدون انه كان لهذه العقوبات مفاعيل كبيرة حتى اكثر مما كان متوقعا على رغم نفي الايرانيين لهذا الواقع.
وهناك من جهة اخرى الملف العراقي الذي آل الى نتائج ايجابية من حيث المبدأ مع التوصل اخيرا الى الاعلان عن تشكيل الحكومة العراقية وهو امر تم اعلانه في المدة الفاصلة بين الاجتماعين الدوليين مع ايران حول ملفها النووي.
ولذلك تساءلت بعض المصادر في شأن الكلام الاخير لمرشد الجمهورية الاسلامية علي خامنئي حول المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري حول ما اذا كان ينطوي على مؤشرات معينة تتصل بسعي ايران الى ادراج ما تشعر به من ضغوط في موضوع الاتهام الافتراضي لعناصر من "حزب الله" بالضلوع في عملية الاغتيال في اطار التفاوض الذي سيحصل في اسطنبول على غرار الاتفاق الذي آل اليه الوضع في العراق على اختلاف الظروف بين البلدين. فالردود او تقويم هذا الموقف بني على تطورات قد تكون ذات صلة لكن لا يمكن تجاهل عناصر اخرى بما فيها دخول ايران على خط اي تفاوض يتعلق بـ"حزب الله" في لبنان. اذ انه في منطق الامور لدى من يقول بتسييس المحكمة بمن فيهم ايران بالاستناد الى كلام خامنئي اخيرا فان لبنان هو احد الاماكن المتبقية للتجاذب الايراني السوري مع الولايات المتحدة تحديدا ومع الغرب عموما وفق ما ظهر من رد الفعل القوي الذي ابدته الدول الغربية على زيارة الرئيس الايراني لبيروت قبل مدة وكذلك وفقا لمسعى ايران الى مناقشة كل الامور العالقة مع الغرب كما كان قال مسؤولوها الكبار سابقا مع الاعلان عن رفض مناقشة او التفاوض في شأن الملف النووي الايراني. وهذا يشمل كما قال هؤلاء المسؤولون الايرانيون الوضع في العراق ولبنان وفلسطين وافغانستان وسواها ايضا خصوصا ان ايران اثبتت قدرتها على تجيير الامور لمصلحتها في العراق وتعتبر ان الولايات المتحدة قد منيت بخسارة كبيرة تبعا لذلك وهي تتصرف على هذا الاساس. اضف الى ذلك ان تأخر صدور القرار الاتهامي وتقديمه الى قاضي الاجراءات التمهيدية يفسح في المجال امام بذل الجهود من اجل التوصل الى تفاهم او امر ما كما يرغب الاطراف المعنيون بالاتهام الافتراضي الذي سيصدر عن المحكمة في مقابل الاستقرار الداخلي الذي لا ترغب اي دولة تهتم بلبنان في زعزعته ويبدو واضحا انه لا يزال حتى الان في اطار العناصر التي تستخدم للمقايضة بها.