تحت العنوان التمويهي الخطير المسمى "الشهود الزور"، تدقّ قوى الممانعة منذ مدة على أبواب القصر الجمهوري، علّها تسمع وترى من ساكِنه ما يسرّ خاطرها، ويعكّر خاطر العدالة وأهلها.
وقبل ذلك بأشواط، ظلّت تلك القوى مسترخية في الدق على أبواب رئيس الحكومة، مفترضة في حين قدرة على التحطيم، وفي حين ثان قدرة على التطويع، وفي حين ثالث قدرة على الابتزاز، بحيث تأخذ في ضوئها صاحب المقام الى منطقها وسياساتها(؟) وطموحاتها، وتأخذ معه الإرادة الوطنية العامة باتجاه قطيعة مزدوجة: مع الشرعية الدولية من جهة ومع اللبنانيين الآخرين من جهة ثانية. وفي هؤلاء من كانت "جريمته" أنه التزم البحث عن العدالة والوصول إليها ليس إلا، وكانت سقوف سياساته البحث عن مصلحة لبنان أولاً وليس إلا.
لم يجب ساكن قصر بعبدا على الطارقين على بابه إلا بالمنطق الدستوري الصحيح أولاً. وبمنطق رجل الدولة الحريص على الدولة وأبنائها ثانياً. وبمنطق العارف أكثر من غيره، كما قال، بما يجري من اتصالات ومشاورات في شأن الأزمة الراهنة وآفاقها ثالثاً.. وهو في السر والعلن يبدو مرتاحاً الى نتائجها المرتقبة، وإن كان غير مرتاح للتعطيل الضارب في المؤسسات الدستورية والذي يأخذ معه مصالح اللبنانيين في الإجمال من أزمة الى أزمة.
يمكن الافتراض تبعاً لذلك، أن تلك سياسة لا تقرها "الأدبيات الرئاسية" التي اعتاد عليها الممانعون عندنا، رغم أن الرئيس سليمان لم يأتِ من صفوف 14 آذار، ولم يقدم طلب انتساب إليها. كما لم يدّع في المقابل أنه "المقاوم" الأول، ولم يعلك في الكلام ولم يصنع الأوهام، ولم يدّع أنه المنقذ من الضلال أو أنه صاحب الميزان وفي يده القياس، أو أنه خبير في فحص الدم أو يملك مطبعة توزّع شهادات الوطنية والعمالة على أبناء بلده وجلدته وأهله.. كما لم يدّع يوماً أنه حامل لمشروع معجزات وخوارق، بل يبدو شديد التواضع في ادعاءاته، وأكثر تواضعاً في توقعاته، وواقعي الى أبعد الحدود في معرفة الناس وأحوالهم، والإمكانات المتوفرات وحدودها، والجغرافيا وشروطها، والسياسة والتباساتها، والمقاومة وآفاقها، ومقتضيات العدالة وأصولها والشرعية الدولية وأحكامها.
ويبدو كذلك، أن فخامة العماد رئيس البلاد يعرف ما يُقال ويحضّر ويطبخ في مطابخ أهل الممانعة والمناتعة، ويعرف أن التطاول السياسي عليه من قبل بعض المهووسين ليس وليد هواية طارئة بقدر ما هو وليد حسابات وطموحات مريضات، ووليد مشاريع توضع في ليل وتذاع في نهار، تنوي محاولة تهبيط حيطان الدولة ومؤسساتها وإطاحة ركائزها الشرعية، وإلغاء ما تراكم من نتائج قرّبت الجمهورية من أهلها والعدالة من طلابها!
لذلك ربما خرج الصوت بالأمس واضحاً قاطعاً لا يحتمل الجدل ولا الضرب في الرمل لتفسيره… تماماً كدوره الصعب رئيساً للجمهورية وليس لجزء منها. مالئاً كرسيه وليس شاهد زور من الطراز الأول!
حسناً قال. حسناً فعل. حسناً حَكَم فَعَدل. والسلام!