ليس بالضرورة مطالبة حزب الله بالاعتراف بفشله سياسياً، طالما أنه اثبت قدرته على شل الدولة وجر البلاد من سيئ الى اسوأ. لكن ليس بوسع الحزب القول انه نجح في خنق خصومه لمجرد ان نتيجة الاختناق قد طاولته بمعدل مرتفع حيث لم يقدر على ان يقنع احداً بخطه (…) ان لجهة المحكمة الدولية او لجهة اجبار الدولة على الاخذ بوجهة نظره، على رغم اتباعه وسائل ضغط وتخويف وتخوين لا سابقة لها في الحياة السياسية اللبنانية!
رب قائل في المقلب السياسي المتواجد فيه حزب الله مع مجموعة من الحلفاء الخوارج فاقدي حرية القرار والرأي وبينهم التيار الوطني الحر واحزاب عريقة في منهجيتها، ان الحزب حدد ما يريد وربط الحلفاء والخصوم بما يطالب به وحال بينهم وبين حكم البلد على اسس لا يراها مناسبة له، حتى وان كان المقصود اظهار البلد في حال يرثى لها، لمجرد ان ما ينادي به مستحيل على معظم اللبنانيين الاخذ به، على رغم الاشهر العجاف التي وضع السلطة من ضمنها!
والاسوأ من كل ما عداه ان القناعة لم تعد هي من يتحكم بقرار حزب الله، طالما انه يعرف بصورة مطلقة ان ما يطالب به هو بمستوى الاعجاز عن الوصول اليه وتحقيقه، من دون حاجة الى ان يعرف حلفاؤه بذلك، لانهم غير مؤهلين لقول ما يتعارض مع خط الحزب وموقفه، وهذا ينطبق على كبيرهم وصغيرهم في وقت واحد، بدليل اعتراف جميع المحيطين بالحزب باستحالة توافر اي توجه مخالف لما صدر ويصدر عن قيادة حزب الله ووزرائه ونوابه وعلمائه في حده الادنى، ما يعزز الاعتقاد ان اي موقف مخالف لن يعيش طويلاً، ولن يعيش صاحبه ليشهد ثمرة رأيه المغاير. وهذا ينطبق على رئيس تكتل التغيير والاصلاح زعيم التيار الوطني النائب ميشال عون الذي يصلي ويصوم كي تتطور الامور في البلد الى الاسوأ، على أمل ان يصل الى من يحك على جرح طمعه بالرئاسة الاولى حتى ولو اقتضى الامر وصول البلد الى فتنة او الى بحر من الدماء؟!
قد يكون الكلام بهذا التفصيل البشع ما يسيء الى حزب الله وحلفاء الحزب، طالما هناك استحالة قياسية في توقع الاحسن على رغم انقضاء اشهر على الازمة السياسية وعلى الضائقة الاجتماعية – الاقتصادية، من غير ان يحقق حزب الله حرفا واحدا من مشروع اسقاط البلد بين براثن شروطه وشروط حلفائه!
والمهم في نظر من لم يقطع الامل من المسعى السعودي – السوري ان تبقى الامور العامة عالقة كي لا يصلوا الي الاهداف التي حددوها في معركة اثبات وجودهم، من غير ان يوفروا مؤسسة او ادارة عامة ام مسؤولاً، ظناً منهم انهم عندما يكبرون حجرهم سيجدون من يخاف منهم ومن مشروع حرب اهلية او فتنة مذهبية؟!
في كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في بكركي بعد قداس الميلاد اكثر من رسالة موقف وقرار هيهات ان يأخذ بهما حزب الله قبل سواه، كي يجنب نفسه ومشروعه خطر الشك في الهدف، بعدما تبين لكل من يعنيهم الامر في الداخل والخارج ان التأييد الايراني وحده لا يفي بالغرض، فضلا عن ان كلام طهران على النظرة الى السيادة اللبنانية يتنافى مع كلام حزب الله (…) ومع هوس الحليف ميشال عون الذي لم يتعظ بالنسبة الى ضربة العمالة التي طاولت احد ابرز قياديي التيار الوطني العميد فايز كرم!
وبين هجوم عون وفريقه على الدولة وعلى الرئاسة الاولى، ثمة من يجزم بان "جنرال الرابية" فقد المبادرة مع تركيزه المتواصل على اعتبار ملف العميد فايز كرم خطأ سياسياً، من غير ان يأتي على ذكر اعترافات الاخير بالعمالة للعدو الاسرائيلي، ظناً من عون انه بقدر ما يرفع عقيرته بقدر ما يصل الى اقناع الدولة ببراءته الشخصية وبراءة خطه السياسي ومشروعه من أية علاقة باسرائيل (…).
ومن الآن الى حين وضوح الرؤية السياسية والامنية للمعارضة بعد طول تهديد بالحرب وبالفتنة فان الكلام الاخر على "متغيرات بالقوة" لن يجدي نفعاً ولن يوصل حزب الله الى هدفه من نيل البراءة بالقوة او بالغوغاء والديماغوجية الموعودة من جانب ميشال عون، بدليل ان تاريخ عون لم يسجّل مرة واحدة مشروعاً وطنياً ناجحاً، وليس ما يمنع ان يتكل هذه المرة على حليفه الاسرائيلي او اي حليف داخلي او خارجي يقرّبه من قصر بعبدا القريب من نظره والبعيد عن رقبته في آن؟!