كان المؤرخ فؤاد افرام البستاني يصر دائماً على ترداد ما جرى معه اثناء لقاء مع احد احبار الكنيسة السريانية في ايران، اذ بادر المطران السرياني البستاني بما معناه: "اذا كانت بكركي بخير فنحن مسيحيي الشرق بخير، واذا كان مسيحيو لبنان بخير فإن مسيحيي الشرق يكونون في خير".
هذه المحادثة القصيرة، او النبوءة التي نقلها البستاني، حملت الكثير من المعاني من الشرق المسكون بذكريات المجازر والخوف والقمع ضد الاقليات الى مسيحيي لبنان كي يكونوا على قدر التحدي لأنهم بمثابة المؤشر لحال الجماعة المسيحية في الشرق الاوسط. وبهذا المعنى فإن ضعف الدور المسيحي في لبنان وتراكم التحديات التي تتهدده، وفي مقدمها الانقسامات العميقة بين الزعماء المسيحيين اللبنانيين العاجزين عن استنباط اطر التفاهم والتواصل في ما بينهم، ليسا الا انعكاساً او امتداداً لما يتعرض له المسيحيون في العراق ومصر، والتصفية شبه النهائية للحضور المسيحي في فلسطين سواء على يد الاسرائيليين او الاصولية الاسلامية المتصاعدة. والصورة واحدة والمعاناة واحدة مع فارق اساسي ومهم ان اسباب نكبة مسيحيي العراق وفلسطين ومصر في اكثرها، لا دخل للسريان والكلدان والاقباط والاشوريين فيها، في حين ان مسيحيي لبنان ينكل بعضهم ببعض ويمارسون "التدمير الذاتي" ويعجزون عن استنباط الحلول التي تحفظ حضورهم سنة بعد اخرى.
سنة اخرى من الخيبات اضيفت الى رصيد المسيحيين اللبنانيين، وآمال جمهور المسيحيين (لا زعمائهم) بإستتباب الامور وعودة الاستقرار الى وطنهم، بدليل عودة بضعة الاف من عائلات المهاجرين المسيحيين من المغتربات وخصوصاً بعد نيسان 2005 اخذت تتلاشى تدريجاً. اما آمالهم في بناء دولة القانون والعدالة والمساواة وعودة العلاقات الطبيعية بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني فتكاد ان تنهار لولا تراث مقاومة وشجاعة يملكها مسيحيو لبنان وتميزهم عن مسيحيي الشرق، واصدق تعبير عن مواقف المسيحيين ما يردده سيد بكركي تكراراً ودون كلل عن اهمية الحاجة الى بناء دولة القانون والمؤسسات والعدالة وحفظ العيش المشترك والتنوع اللبناني واحترام مقوماته المختلفة وفي مقدمها التوازن وصحة التمثيل والوحدة الوطنية. ولكن شتان ما بين مواقف بكركي وواقع حال المسيحيين المكتظ بالتحديات التي جددت لنفسها العام الفائت ولا يبدو انها ستجد حلاً سنة 2011.
شعب بلا ارض
اول التحديات التي واجهت المسيحيين العام الفائت لا بل اهمها: الهجمة العقارية على اراضي المسيحيين في مختلف المناطق اللبنانية، واذا كانت عمليات الشراء تركزت سابقاً على مناطق الاطراف التي يعيش فيها المسيحيون منذ مئات السنين في الجنوب والبقاع والشمال، الا انها شهدت تطوراً نوعياً تمثل في انتقال عمليات الشراء و"تكثفها" في المركز المسيحي – الدرزي والمقصود اقضية جبل لبنان الممتد من جزين الى المدفون، وتحديداً في الشوف وعاليه وبعبدا والمتن امتداداً الى كسروان وجبيل والبترون والكورة. واذا كانت مشكلة اللبنانيين عموماً مع استملاك الاجانب والمقصود العرب من خليجيين وفلسطينيين وسوريين، وذلك نتيجة جملة عوامل وفي مقدمها التسهيلات التي قدمتها الحكومات المتعاقبة منذ 1990 الى المستثمرين الخليجيين تحت عنوان عريض يختصر بتعزيز الاقتصاد اللبناني عن طريق اغراء رأس المال العربي الخليجي الباحث عن فرص للاستثمار. الا ان التحدي الاكبر الذي يواجه المسيحيين اللبنانيين هو عملية "سحب البساط" الهادئة من تحت اقدامهم، او بكلام آخر عملية شراء اراضيهم تحت تأثير الظروف الاقتصادية الصعبة او نتيجة الاغراءات المالية الخيالية التي تفعل فعلها في السيطرة على مساحات واسعة من المناطق التي تشكل العمق الجيو- سياسي للحضور المسيحي في لبنان. والاخطر في ما يجري ليس عمليات الشراء بل المشاريع التي تواكبها وهي في الغالب مشاريع سكنية ضخمة تحمل معها طابع "التغيير الديموغرافي" اضافة الى اعتماد نموذج "الفرز والضم" بمعناه السياسي، وإلا كيف يمكن تفسير ما يجري في منطقة جبيل ساحلاً ووسطاً وجبلاً من سعي حثيث الى امتلاك العقارات وشراء المزيد منها اضافة الى ما يجري في كسروان والمتن، مما يطرح الكثير من علامات الاستفهام ويثير القلق ولا يمكن اي لبناني عاقل التغاضي عنها. اما في مناطق الاطراف المسيحية فلقد قطعت عملية "سحب البساط" اشواطاً كبيرة بدليل ما يجري في عكار ومرجعيون وتعلبايا والبقاع الغربي وحاصبيا وجزين وغيرها.
ينقل زوار رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط عنه انه يتمنى لو يبادر البطريرك الماروني والكنيسة عموماً الى معالجة مسألة بيع الاراضي بطريقة عملانية بدلاً من الشكوى والتحسر. وزعيم المختارة صاحب تجربة قاسية في هذا المجال، وخصوصاً انه يجهد في الطلب الى الموحدين الدروز العمل على حفظ خصوصيتهم والتمسك بالارض في حاصبيا ووادي التيم والشوف والبقاع الغربي والشويفات وعالية. ويقال انه يتمكن من ذلك بشق النفس وبذل الكثير من الجهد والمال. لكن الفارق بين دار المختارة وبكركي ان املاك الدروز "المهددة" بالشراء والبيع محدودة مقارنة باملاك المسيحيين المنتشرة على ارجاء الخريطة اللبنانية، كما ان التنوع المسيحي الديني والسياسي يضطلع بدور مؤثر في الحد من تأثير بكركي على مواضيع عدة وفي مقدمها مأساة ملف بيع الاراضي، الذي تحول مادة للتشهير و"تبييض الوجه مع الحلفاء" تماماً كما يجري في موضوع بيع الاراضي في جبيل والمتن وكسروان وعكار. ويقول المتابعون للوضع المسيحي ان الاصح استعمال كلمة كنائس بدل الكنيسة، وفي رأيهم ان مطالبة بكركي وحدها بتحمل المسؤولية لا تكفي بل الاجدى ان تبادر مختلف المؤسسات الكنسية الارثوذكسية والكاثوليكية والانجيلية الى ما يساهم في معالجة موضوع بيع الاراضي وتحويل المسيحيين في لبنان الى شعب بلا ارض يقف على ابواب السفارات طلباً للهجرة الى دول ما عادت تصلح لاستقبال المهاجرين سوى كعمال مياومين لاشغال شاقة ومهينة.
التوازن المفقود بالمناصفة
التحدي الثاني الذي واجه المسيحيين في لبنان، ويبدو انه سيستمر عاماً اخر دون اي افق للحل، يتمثل في استعادة التوازن المفقود منذ البدء بتطبيق اتفاق الطائف في مؤسسات الدولة اللبنانية. وخلافاً لكل ما يقال فلقد تضافرت ارادة الاحتلال السوري التي هيمنت على القرار اللبناني منذ 13 تشرين الاول 1990 مع القوى المحلية المهيمنة وخصوصاً الزعامات الشيعية والسنية للسيطرة على مقدرات المؤسسات العامة سواء من خلال التحكم بالوزارات الرئيسية ولا سيما الخدماتية منها او من خلال توظيف "حشود" من الانصار والمحاسيب والازلام في مختلف الادارات العامة والمؤسسات الرسمية بحيث انخفض عدد المسيحيين الى مستويات خطيرة، في ظل انكفاء غالبية المسيحيين عن الالتحاق بالقطاع العام الذي يمثل عملياً العمود الفقري للسلطة ومقومات الدولة.
وايضاً، أمل المسيحيون خيراً بعد انسحاب الجيش السوري في استعادة التوازن في مؤسسات القطاع العام، واعتبروا ان التضامن الذي تجلى في حركة 14 اذار يمكن ان يشكل الرافعة لتثبيت الوحدة الوطنية واستعادة التوازن المفقود، لكنهم واجهوا عقبتين، تتمثل الاولى في الشعور المتراكم لدى غالبية الرأي العام المسيحي "ان هذه الدولة ليست دولتنا" نتيجة الممارسات السابقة على مدى 15 عاماً سواء في ملف المهجرين والتعويضات في الجبل والجنوب، او في ملفي الجنسية واستعادة الجنسية اللبنانية لمن يرغب من المغتربين، او في التعاطي مع شؤون وزارات خدماتية واساسية اخرى. اما العقبة الثانية فتمثلت في الشبكة المحكمة من تقاطع المصالح والادارات في مؤسسات القطاع العام والتي وقفت سداً امام العودة المسيحية بدليل ما جرى في وزارات كثيرة. وفي هذا الاطار يصبح الحديث عن المناصفة والحرص عليها غير ذي معنى امام المعوقات الضخمة. والحديث عن الحرمان لم يعد حكراً على الطائفة الشيعية التي استنبطت "حركة المحرومين" للمطالبة بالحقوق منتصف سبعينات القرن الماضي، والحرمان لم يعد سمة لدى اهالي عكار بل انتقل ليصيب المناطق ذات الكثافة المسيحية والتي عوقبت على موقفها خلال الحرب من النظام الامني السوري – اللبناني.
خاسرون وحرمان وكفاية
يعتبر الاب انطوان خضرا، احد ابرز الناشطين في الشأن العام وقضايا المسيحيين، ان اتفاق الطائف الغى المناصفة في الوظيفة العامة وأبقى ذلك فقط في الفئة الأولى ومجلسي النواب والوزراء وأوصى بحلول الكفاية مكان المناصفة. فسقطت المناصفة مع الطائف وغابت الطرق الكفاية بتحقيق الكفاية بعد الطائف. ويشرح: "عوملت فئة من اللبنانيين كخاسري الحرب لتبدأ سيطرة الطوائف الأخرى على الوظائف العامة. وهكذا إختل التوازن وأصبحت هذه الوظيفة حكراً على بعض الطوائف التى هيمنت على مرافق الدولة واعتبرتها مكاسب لها ولأبنائها دون الأخذ في الإعتبار التعددية في لبنان وضرورة الحفاظ على العيش المشترك ووجود الجميع في مؤسسات الدولة".
وعن العمل لاستعادة التوازن، يعتبر ان التوازن ضرورة وطنية قبل أن يكون حفاظاً على مكاسب كل طائفة، وبالتحديد ان الحضور المسيحي في القطاع العام هو قضية وطنية يجب حفظها لأنها تضمن بقاء لبنان المتعدد المتنوع، ويقول: "قبل 1990 كان يقال للمسلم إذا أردت أن تدخل الى الجيش فاصطحب معك مسيحياً. ونوّد أن نقول اليوم لكل مسلم لا ترض أن تذهب الى أي مؤسسة عامة قبل ان يكون الى جانبك أخ لك مسيحي لكي نحافظ على لبنان الرسالة. التوازن يتحقق عندما نعترف بعضنا ببعض وبتنوعنا، وليس فقط بالخطابات الرنانة في الأعياد والمناسبات، بل بالسعي الحقيقي للحفاظ بعضنا على البعض وعلى حقوقنا وواجباتنا". ويضيف: "لذلك لا بد إما من تعديل الطائف والعودة الى المناصفة في كل الفئات، أو وضع معايير الكفاية والعمل المهني في وظائف الدولة لتكون واضحة للجميع وتمنع كل التدخلات السياسية والدينية في التوظيف. لكن أن نستمر كما نحن فلا يجوز، لأن في ذلك إستقواء لطائفة على اخرى أو استعباد طائفة قوية معينة باقي الطوائف، فيسقط بذلك العدل ويسود الحرمان".
دولة العدالة تحمي
التحدي الثالث الذي واجه المسيحيين العام الفائت تمثل في بناء دولة القانون والمؤسسات، وفي مقدمها الصراع على المحكمة الدولية والتي اريد للمسيحيين ان يعتزلوا العمل من اجلها او المطالبة بها وكأن جبران تويني وبيار الجميل وانطوان غانم وجورج حاوي وسمير قصير وباسل فليحان وفرنسوا الحاج اتوا من كوكب آخر لا يمت الى لبنان بصلة، او كأنهم قتلوا في حادث سير. وقد يبدو من السخف الاستهانة بمدى قوة هذا العامل لدى اللبنانيين سنة وشيعة ودروزاً ولدى المسيحيين تحديداً، فتجربة 15 عاماً من الحروب والقتال والميليشيات وغياب سلطة الدولة، الى الاحتلالات الاسرائيلية والسورية، تركت آثارها العميقة في الفكر المسيحي ومقاربته لفكرة الدولة وادراك المسيحيين ان لا مكان لهم خارج اطر الدولة السيدة الممارسة لسلطاتها فعلاً وقولاً. ولعل افضل نموذج عن تعلق غالبية المسيحيين بمشروع الدولة العادلة ما كان من مسار "التيار الوطني الحر" منذ عام 2005 ، فلقد تمكن مرشحو "التيار" في انتخابات 2005 من حصد 75 في المئة من اصوات الناخبين المسيحيين وهي نسبة لم يتمكن القادة التاريخيون للمسيحيين نظير الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والعميد ريمون اده من تحصيلها منفردين، لكن العماد ميشال عون نجح في ذلك، لتعود شعبيته وتتراجع تدريجاً في مسار انحداري لا يحسد عليه منذ توقيع التيار "وثيقة التفاهم" مع "حزب الله" الذي يعتبره غالبية الرأي العام المسيحي مشروعاً منافساً للدولة اللبنانية ويرى فيه استعادة منقحة لتجربة الميليشيات. كما ان تجربة العماد عون عندما كان رئيساً للحكومة الانتقالية وانحازت غالبية الرأي العام المسيحي الى جانبه في مواجهة مشروع "القوات اللبنانية" انما تحمل الكثير من المعاني التي لم يكلف المنظرون في "التيار الوطني الحر" انفسهم عناء البحث فيها ومدى تعلق المسيحيين بخيار الدولة وتقديمه على ما عداه دون اشراك مع اي سلاح او اي طرف. والمسيحيون الذين رفضوا سلاح الميليشيات المسيحية لا يمكن ان يقبلوا سلاحاً سنياً اوشيعياً او درزياً، وهذه المسالة بالذات تشكل علامة متقدمة يقدمها المسيحيون في مساهمتهم في مشروع بناء الدولة واستعادتها فيما لو قيض للبنانيين اعادة بناء الدولة دون تدخلات وعلى قاعدة عقد اجتماعي جديد في ما بينهم.