ساعات وتطوي سنة 2010 آخر أوراقها. روزنامة هذه السنة لم تحمل الكثير من الفرح والتفاؤل للعالم العربي، ومعه لبنان. وليس ثمة ما يدعو إلى توقع أن يكون حصاد 2011 أفضل، إذ ان هناك أسباباً وجيهة جداً "تبشّر" بأن تكون، هي الأخرى، سنة قاسية ـ كاللواتي سبقنها ـ وتفرض تحديات وعقبات واستحقاقات على الصعد الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويمكن القول إن ثلاثة إلى أربعة ملفات، كان استُقبل بها العام 2010، لا تزال، ترسم بشكل أو بآخر، البيئة غير المستقرة التي تعيشها المنطقة، بما يعنيه ذلك من تداعيات وانعكاسات محتملة في هذا العام.
الحدث الأول: وقف عملية السلام بسبب تعثر المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وعودة الحديث عند معارضي التسوية عن أهمية، بل ضرورة، استمرار جبهة المواجهة والمقاومة في الصراع، باعتبار أن التفاوض، مباشراً كان أم غير مباشر، طريق ثبت فشله، وما كان يوماً سبيلاً لاستعادة الأرض والحقوق.
الحدث الثاني: معاناة المنطقة العربية من وجود فراغ استراتيجي كبير، الأمر الذي سمح بتعاظم دور دول الجوار على حساب الدول العربية، لا بالتوازي معها.
الحدث الثالث: استمرار تهديد تنظيم "القاعدة" لأمن دول المنطقة، في ظل تحول عدد من هذه الدول إلى مسرح جديد وناشط لعمليات التنظيم، بالتوازي مع استمرار "تسلل" مشاريع إقليمية مذهبية إلى المنطقة، بهدف ابتزازها في أمنها القومي وإيجاد شرخ وطني بين أبنائها من خلال ضرب استقرارها السياسي والاجتماعي من جهة، واتخاذ البقع الساخنة أوراقاً تفاوضية مع المجتمع الدولي من جهة ثانية.
التحديات: الحلقة المفرغة
هناك الكثير مما يجري في الإقليم ويدفع العرب إلى التفكير ملياً في مجابهة تحديات وجودية بعيداً من الرومانسية وحسن النوايا. وفي ما يأتي بعض الإشكاليات التي تتقدم المشهد العربي وتؤّشر إلى استمرار الأزمة الضاغطة وضبابية المستقبل، ومنها:
دفع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى إجراء تغيير سريع وجدي في النظرة إلى قضايا المنطقة، واعتماد سياسات أكثر توازناً في ما يتصل بالصراع العربي ـ الإسرائيلي.
دعم مبادرة السلام العربية (بيروت 2002) وحشد دعم دولي يساهم في إلزام إسرائيل بقبولها كخيار استراتيجي متوافر ومقبول دولياً، وإعادة إحياء عملية السلام على قاعدة احترام القرارات الدولية ووقف بناء المستوطنات واقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية. وقبل الحديث عن الدور الإسرائيلي في تعثر السلام، لا شيء يخفف من حقيقة أن العرب علّقوا آمالاً عريضة على "نوايا" الرئيس الاميركي باراك أوباما لدفع عملية السلام، وواكبوا طروحاته حول تسوية النزاع بحسن النوايا فقط، مع أن مبادرته كانت تفتقر أصلاً إلى "خارطة طريق" تكون بمثابة آليات للتنفيذ.
التفكير الجدي، ومن دون مواقف مسبقة، ببدائل لمبادرة السلام، والعمل الجدي لمساعدة السلطة الوطنية الفلسطينية في انتزاع اعتراف دولي بـ "دولة فلسطين" بحدود العام 1967.
حماية التنوع الديني والطائفي والاثني في العالم العربي، من خلال تشجيع التجانس الطائفي والمصالحة الوطنية وإعادة إعمار البقع التي طالتها الحروب في العراق وغزة واليمن والصومال والسودان، من أجل منع تحوّل دول عربية إلى دول هشّة Fragile States، وتحول دول هشّة إلى دول فاشلة Failed States، وتحول دول فاشلة إلى دول مارقة Rogue States.
العمل بجدية أكبر لجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، والزام إسرائيل بالانخراط في المعاهدات الدولية ذات الصلة.
المبادرة إلى إيجاد آلية مبتكرة للتعامل مع تآكل الدور الإقليمي العربي، وهذا الأمر يفتح الباب لمناقشة أسباب الفراغ الاستراتيجي القائم، وكيفية التعامل معه عن طريق إعادة ترميم البيت العربي مرحلياً على سبل النهوض والارتقاء بالعمل العربي ليكون بالفعل والممارسة عملا مشتركا ومؤثرا على الصعيدين العربي والدولي، بشكل يوازي في أهميته وتأثيره ما تتمتع به كل من إيران وتركيا وإسرائيل من مقدرات وإمكانات وفاعلية.
التوقعات: مرآة مقعرة
لكن في المقابل، ولأسباب ذاتية وموضوعية وخارجية، لا توحي التوقعات بكثير من التفاؤل، إذ ان نظرة سريعة الى العالم العربي تشير إلى:
انسداد أفق الحلول السياسية للأزمات، وغياب التأثير في مجريات الأحداث، واستمرار البؤس كمحصلة منطقية للاستبداد والتضييق على الحريات وخنق التعددية وانتهاك الحريات.
توسّع القاعدة الجماهيرية للتيارات الأصولية بمختلف اتجاهاتها، كأحد البدائل التي تستسيغها الجماهير كغياب التنمية وانسداد الأفق والتعسف والقمع الرسمي، وباعتبار هذه التيارات تحمل مشروعيات، وإن كانت تلغي العقل والعمل وتمنع التفكير في مشكلات الحاضر وتحدّيات المستقبل.
الميل الغرائزي الى العنف والعنف المضاد بديلاً من منطق الحوار والتنافس الديموقراطي، وهو عنف متبادل تمارسه الأنظمة وخصومها بقاسم مشترك هو البعد عن فكرة التعاقد الاجتماعي، وانتفاء المشروعية وعدم الاكتراث بقيم الحق الإنساني.
غياب الأفكار المبدعة لتعزيز الموارد، والقضاء على الأمية واجتراح التنمية، وتحسين الأوضاع المعيشية والتنموية، معطوفاً على أنظمة تعليمية جامدة، وبطالة متزايدة، وهجرات للأدمغة.
بقاء فلسطين، النكبة والجرح والقضية، خبراً أولاً يكبر عاماً بعد عام، فيما الفلسطينيون على انقسامهم الكبير حول سلطة لا وجود لها.
استمرار الانشقاق في اليمن، شمالاً وجنوباً، وتحول السودان إلى دولتين، شمالاً وجنوباً أيضاً، وتبخر حلم الدولة في الصومال، فيما شعوب هذه الدول بين حدّي: البؤس والتخلّف والفقر وجنون الموتورين، ومطامع المتسللين.
استمرار التقصير العربي الرسمي ممثلاً بضعف أو غياب أي دور لجامعة الدول العربية إزاء ما يجري في كل البقاع الساخنة على امتداد جغرافيا العالم العربي.
لبنان: النزف والاستنزاف
أما في لبنان، وفي ظل استمرار الحديث عن اتصالات ومساع متعلقة بالمسعى السوري ـ السعودي لحل أزمة "شهود الزور"، ومعها التداعيات التي ستترتب على صدور القرار الاتهامي عن المدعي العام للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فليس ثمة من يدّعي معرفة مآلات التهدئة القائمة حالياً، والتي تغّلف حالة من الاستنزاف الخطير لهذا البلد، على مستوى الدولة والمؤسسات ومقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وتنذر بتوسع الشرخ الاجتماعي الحاصل، فيما يبقى أن التحدي الحقيقي هو في تعزيز المواطنة وإطلاق عجلة الإنماء المتوازن وتعزيز القضاء والشفافية وخلق فرص العمل.
لكن قبل كل ذلك وبعده وفي ظل الصراع القائم في المنطقة، مع إسرائيل بشكل رئيسي، أو مع غيرها، ثمة تخوف من عودة استخدام لبنان ساحة الصراع الرئيسية في المنطقة واعتماده ممراً لتبادل الضربات أو الرسائل، وهو احتمال، في ظل تفاقم الصراع السياسي الداخلي، قائم بقوة. لكن الأخطر من كل ذلك، أن قواعد اللعبة الإقليمية والاستراتيجية لا تعير اهتماماً لتداعيات التأزيم التي ستطال حكماً بنية الدولة والأمن والمواطنين والاستقرار والاقتصاد في حال انزلاق الموقف نحو التصعيد، وبذلك يكون لبنان واللبنانيين رهينة بين من يسعى الى رهن الدولة والشرعية والمواطنين بداعي الاستنفار لمواجهة المشاريع والاعتداءات الإسرائيلية من جهة، وبين اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين لهم حساباتهم وأدواتهم في كل ذلك من جهة ثانية.
هكذا تبدو ملامح سنة 2011، بمقدمات تجعل من "التوقعات" حقيقة واقعة، وإن كان الأمل والمبادرة والسعي كفيلة باجتراح الحلول وصون المصالح وامتلاك الآليات واستعادة المبادرة.
في وداع العام واستقبال آخر، على الناس أن يصنعوا فرحاً، أو أن يسترجعوه من خاطفيه.