2010 كانت سنة المحكمة فهل تكون 2011 سنة تقرير مصيرها ؟
ملف "شهود الزور" عطّل الحكومة والقرار الاتهامي يطيّرها
إذا كانت سنة 2010 سنة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وقد عرقلت مسيرة الدولة وعطلت عمل الحكومة، فهل تكون سنة 2011 سنة تقرير مصيرها؟ الجواب عن هذا السؤال ينتظر نتائج المساعي السعودية – السورية التي قد لا تقتصر على موضوع المحكمة بل على طريقة التوصل الى اقامة دولة قوية في لبنان تكون قادرة على ان تحكم نفسها بنفسها وان تبسط سلطتها على كل اراضيها ولا تكون دولة سواها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها.
لقد نجحت قوى 14 آذار بفضل دماء الشهداء ولا سيما دم الشهيد الاول رفيق الحريري في استعادة سيادة لبنان واستقلاله وحريته، لكنها لم تنجح في اعادة تكوين السلطة ولا العبور الى الدولة القوية القادرة لان قوى 8 آذار ارادت ان تشاركها في السلطة وحالت دون ذلك باصرارها على ان يبقى سلاح "حزب الله" مستقلا عن سلاح الدولة وله القرار في استخدامه ساعة يشاء وفي المكان الذي يشاء، فكانت حرب تموز 2006 التي لم يكن للدولة اللبنانية علم بقرار اشعالها، وهذا ما اعلنته رسميا للداخل والخارج، ثم كانت احداث 7 ايار التي كادت ان تشعل حربا اهلية لو لم يخش ان تشعل حربا في المنطقة. وقد كرست تلك الاحداث وجود دولتين وجيشين في لبنان.
ويعلق اللبنانيون الآن آمالاً على المساعي السعودية – السورية المدعومة من دول عربية واقليمية في التوصل الى احتواء التداعيات المحتملة التي قد يحدثها القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه عند صدوره، فهل تتوصل هذه المساعي الى اتفاق سوري – سعودي على ذلك، وتاليا على قبول كل الاطراف اللبنانيين بهذا الاتفاق؟
الواقع، ان لا جواب حتى الآن عن هذا السؤال لان المخاوف لا تزال قائمة حول عدم توصل هذه المساعي الى اتفاق او عدم قبول كل الاطراف اللبنانيين به اذا لم يكن عادلاً ومتوازناً ولا يتضمن تنازلات متبادلة تكفل قيام الدولة.
ومن الاسباب التي قد تعرقل التوصل الى اتفاق:
اولا: اختلاف النظرة الى مضمون القرار الاتهامي عند صدوره بين من يرى فيه ادلة قاطعة لا يرقى اليها شك في اتهام من يتهمهم بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وجرائم مماثلة ومن يرى غير ذلك وعندها يصير البحث عن مخرج للخلاف على تقويم مضمون القرار هل يكون تشكيل لجنة من كبار الحقوقيين تتولى تقويم مضمونه ويكون رأيها ملزما للجميع، او يصير البحث في طريقة حسم الخلاف بين 8 و14 آذار باللجوء الى التصويت في مجلس الوزراء وعند تعذر التوافق، واللجوء الى التصويت قد يثير خلافا جديدا كالخلاف الحاصل الآن حول ملف شهود الزور بين من يصر على التصويت حسما للخلاف حول هذا الملف، ومن لا يريد ذلك لئلا تؤدي نتائج التصويت الى تطيير الحكومة وفتح ازمة وزارية قد يستعصي حلها فتواجه البلاد عندئذ ازمة حكم مفتوحة على شتى الاحتمالات. عدا ان اللجوء الى التصويت يثير خلافا جديدا اثاره بعض نواب "تكتل التغيير والإصلاح" في تفسير المادة 65 من الدستور وهو يدور حول الاكثرية المطلوبة لبت الخلاف حول ملف شهود الزور وكذلك بت الخلاف حول مضمون القرار الاتهامي عند صدوره، اي هل تكون الاكثرية المطلوبة عادية لان هذين الموضوعين غير مذكورين بين المواضيع الـ14 المحددة في المادة المذكورة كي يحتاج بتها الى اكثرية الثلثين؟ ام ان تجاوز الخلاف حول القرار الاتهامي يكون ببحث اجراءات خروج لبنان من المحكمة كما يشيع البعض؟
ثانياً: ان قوى 8 آذار قد ترفض القرار الاتهامي مهما كان مضمونه لانه صادر عن محكمة دولية لا شرعية لها وهي بالتالي مسيسة وكونها باطلة فإن كل ما يصدر عنها باطل وهو ما اعلنه المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية علي خامنئي وما نُسب الى الرئيس الاسد من موقف مماثل جعله اقرب الى ايران منه الى السعودية، مخالفاً بذلك موقفاً سابقاً له اعتبر فيه ان القرار الاتهامي اذا كان مستنداً الى ادلة قاطعة، فسوف يأخذ به ويحاكم اي سوري متهم بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه.
ثالثا: ان قوى 14 آذار قد لا توافق على اي تسوية او حل حتى ولو صار اتفاق على رفض القرار الاتهامي او على تخلي لبنان الرسمي عن المحكمة الدولية الخاصة باتخاذ الاجراءات اللازمة لهذه الغاية اذ انها قد تصر على ان يقابل التخلي عن المحكمة تخلى "حزب الله" عن سلاحه ووضعه في تصرف الدولة، الجيش تحديدا، لانه لن تقوم في لبنان دولة مع بقاء سلاح خارجها سواء في ايدي لبنانيين او غير لبنانيين، وانه اذا كان النصف الاول من ولاية الرئيس ميشال سليمان لم يتحقق فيها قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل اراضيها ولا يكون الى جانبها دولة اخرى، والى جانب جيشها جيش آخر، فينبغي ان تقوم هذه الدولة في النصف الثاني من ولايته والا دخل لبنان لائحة الدول الفاشلة المعرضة للانهيار في اي لحظة، وظل لبنان مشروع وطن مهدد بهويته وكيانه ونظامه. ومتى امكن التوصل الى معالجة موضوع سلاح "حزب الله" فانه يكون قد تم التوصل الى اتفاق على الاستراتيجية الدفاعية التي يدور الاتفاق عليها منذ سنوات في حلقة مفرغة.
لذلك ترى اوساط سياسية مراقبة ان المساعي السعودية – السورية قد تواجه صعوبات في التوصل الى نتائج ايجابية خصوصا اذا مالت سوريا في موقفها النهائي الى ايران، ليس الى السعودية كما بدا من الوهلة الاولى وباتت تعتبر المحكمة كما تعتبرها ايران غير شرعية وحكمها مرفوض، وهذا معناه ان كل ما يصدر عنها باطل بما فيه القرار الاتهامي مهما تضمن، وعندها يعود الصراع الحاد الى الداخل اللبناني ويكون لهذا القرار تداعيات خطيرة تضرب الوحدة الوطنية وتزعزع الاستقرار. وكما انقسم وزراء 8 و14 آذار حول ملف شهود الزور وعطل هذا الانقسام جلسات مجلس الوزراء، فان انقسامهم قد يكون اشد حول القرار الاتهامي او الخروج من المحكمة بحيث لا ينتهي الا برحيل الحكومة ودخول البلاد في فوضى قد تستغلها اسرائيل لتضرب ضربتها في غزة حيث الفلسطينيون منقسمون، وفي لبنان حيث اللبنانيون منقسمون ايضا، واذا ما تحركت سوريا وايران لمواجهة اسرائيل، فان الحرب الشاملة قد تقع في المنطقة، وتكون حرب تفكيك وتقسيم لها.