إن آخر ما يمكن توقّعه هو خروج بعض ترسّبات وبقايا الإحتلال السوري من جحورها، لتُلقّن اللبنانيين دروساً في السيادة والوطنية، متوهمّةً ان حفنةً من الغبار الإعلامي الغوغائي المتناثر بإمكانها التعمية عن مسارٍ طويل من العمالة والفساد والإرتهان الذي طبع سيرة وتاريخ هذه الترسّبات، وفي مقدمها عماد العمالة اميل لحود وابنه نائب الصدفة اميل اميل.
وهكذا اجتزأ اميل اميل لحود تصريح المفتي الجوزو الاخير، متوسلاّ أسلوب التحريض الطائفي البغيض لإعادة تعويم عهد والده البائد، ومستغنماً الفرصة لتصويب سهام حقده باتجاه "القوات اللبنانية" ونهجها السيادي.
إنطلاقاً من هنا، وقبل تفنيد ودحض مزاعم أميل لحود وتعداد بعض مآثر والده في الحكم، لا بدّ من إعادة تذكير الرأي العام بالطريقة التي فُرض بها هذا الأخير رئيساً من قبل سوريا، وهي واقعة معروفة وموثّقة في اكثر من مكان، ولا سيّما في الصفحة 32 من كتاب "صدمة وصمود" لمستشار اميل لحود الأستاذ كريم بقرادوني الذي اكّد أن لحود ليس سوى "مرشح سوري"، مُسقطاً بذلك الهوية اللبنانية عمّن كان طيلة حياته العوبة بيد غير اللبنانيين.
إن التزكية السورية لإميل لحوّد حولّته، كما هو معلوم، الى العوبةٍ في يد المخابرات السورية، ولكنّها بالمقابل وفرّت له بعض الإمتيازات الشخصية التي سخرّها لتعميم مبدأ الفساد والرشوة داخل الإدارة، فعاث في البلاد سرقةً وجنى ثروةً تُقدّر بمئات ملايين الدولارات، وذلك بعدما فرض محاسيبه واقاربه في المؤسسات العامة، كما هي الحال مع نائب الصدفة اميل اميل لحودّ الذي انتقل بين ليلة وضُحاها من مجرّد فتى ارعن ونكرة سياسية، الى ممثّلٍ قسري لأبناء المتن الشمالي فُرض عليهم بقوة المخابرات السورية.
وبالعودة الى مزاعم اميل اميل لحوّد، فإن المتمّعن بتصريح المفتي الجوزو والتوضيح الذي تلاه، يتبيّن له بما لا يقبل الشك أن الجوزو الذي اظهر إحتراماً فائقاً لمقام البطريرك الماروني، لم يتهجمّ مُطلقاً على الطائفة المسيحية، وإنما أضاء على إنحرافات بعض رموز التيار العوني و"حزب الله" بشكلٍ ادقّ، متهماً الشيعة بالغرور والفوقية، وهذا بالضبط ما استفزّ اميل اميل لحود، صنيعة "حزب الله" والمخابرات السورية، وليس اي شيءٍ آخر.إذ كيف لشخصٍ بمواصفات اميل اميل لحود، أن يستفزّه الهجوم على البطريرك الماروني وعلى المسيحيين ككل، وهو الطفل المعجزة والمخلوق المسخ لعهدٍ مشؤوم برع بإضطهاد المسيحيين وتقتيلهم، وتميّز بتسليم مواقع المسيحيين الأساسية في التركيبة اللبنانية الى غير المسيحيين، كمديرية الأمن العام، ووزارة الخارجية، وقيادة الحرس الجمهوري.
ناهيك، عن ان اميل لحود وعهده المشؤوم شكّلا النقيض السياسي والوطني للبطريركية المارونية، فحاول هذا الأخير عزل البطريرك سياسياً من خلال افتعال احداث 7 آب واستدعاء مئات الشبان المسيحيين بهدف القوطبة على مصالحة الجبل التاريخية التي فتحت للبطريركية المارونية ولمجمل الشعب المسيحي آفاقاً اوسع على الصعيد الوطني خدمة لمشروع تحرير لبنان. تماماً مثلما جرّب لاحقاً إذلال بطريرك الموارنة من خلال محاولة استدراجه لزيارة سوريا عند اعتاب انقعاد القمة العربية في بيروت آذار 2002، وذلك بهدف منح الرئيس السوري مشروعية مسيحية ووطنية تخوّله الإمساك بالورقة اللبنانية أكثر فأكثر في محادثاته داخل القمة العربية. وكسر لحود الاب كل الاعراف في علاقته كرئيس جمهورية مع بكركي ولم يحترم البروتوكول عبر مقاطعته الاحتفالات الدينية الرئيسة فيها لسنوات.
ولو ان اميل لحوّد يُعير ثوابت بكركي أي إهتمامٍ، لكان وافق فوراً على التنحيّ نزولاً عند رغبة البطريرك الذي ارسل اوائل شباط 2007 كتاباً الى لحود بواسطة المطران رولان ابو جوده يدعوه فيه "للإستقالة على غرار الرئيس بشارة الخوري" كما يذكر بقرادوني في الصفحة 481 من كتابه، وذلك بعدما اوصل لحود موقع الرئاسة الى الحضيض، فتحوّل الأخير من رئيسٍ مُفترض لجمهورية لبنانية، الى مجرّد كشّاش حمام في دويلة "حزب الله"، فُعزل واستُبعد من قبل الجميع- كأن به "مرض البرص"- بما في ذلك من قبل حليفه "حزب الله" الذي تبرّأ من علاقته بلحود "قبل صياح الديك"، حتى ان السيد نصرا لله تجاهل ذكر لحوّد كلياً خلال تظاهرة 8 آذار 2005، على ما يعترف به مستشار لحود الأستاذ بقرادوني في الصفحة 369 من كتابه، وذلك بعدما منعه آل الحريري من زيارة منزل العائلة عقب إغتيال الرئيس الحريري. لا بل ان قراراً دولياً يحمل الرقم 1559 صدر خصيصاً لمنع التجديد لصنيعة المخابرات السورية اميل لحود!!
من هنا فإن كلام الدكتور جعجع عن شغور موقع الرئاسة عملياً طيلة عهد لحوّد، ينبع من وقائع حسيّة ويستند الى مواد دستورية، ويعكس رغبةً شعبية عارمة مناهضة للحود عبّرت عن نفسها في تظاهرة 14 آذار 2005، وفي محطّات اخرى.
وطالما ان اميل لحوّد يُعير هذا القدر من الإحترام لمرجعية بكركي، حسبما يزعم نائب الصدفة اميل لحود، فلماذا إذاً تجاهل مطالب البطريرك التي تبنّى فيها قضية الدكتور جعجع الوطنية والإنسانية على حدّ سواء، فعمل لحود العكس تماماً، مُضاعفاً من وتيرة إضطهاده للقواتيين ولباقي التيارات السيادية، على غرار إعتقاله عشرات القيادات في "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" في 7 آب 2001، كمقدّمةٍ لقمع كل الأصوات الحّرة، بدءاً بإقفال الـ "mtv" في ايلول 2002، مروراً بملاحقة الصحافيين ومنهم الشهيد سمير قصير، ووصولاً الى إطلاق الصواريخ على تلفزيون "المستقبل" في 15 حزيران 2003 وإعتقال شباّن "تيار المستقبل" قبيل اغتيال الرئيس الحريري بايّامٍ قليلة.
إن أميل لحود، كما اشرنا في المقدّمة، ليس سوى دمية في أيدي المخابرات السورية، وهو ما اكّد عليه الرئيس نبيه برّي من خلال إقراره بأن لحود "لا يتورع عن إشراك جميل السيّد في محادثاته مع المراجع الدولية ليشهد له عند السوريين"، وذلك بحسب ما جاء في الصفحة 64 من كتاب مستشار لحود الأستاذ بقرادوني.
وإنطلاقاً من كونه دمية سورية، لم يتورّع لحوّد عن تنفيذ كل ما يُطلب منه بحذافيره، فافتتح عهده في السلطة بتسليم عشرات ضباط وعناصر الجيش اللبناني الى المخابرات السورية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر القياديين في التيار الوطني الحر العميد شامل موزايا والعميد فايز كرم، تماماً مثلما لم يكترث يوماً لمصير عشرات الجنود المعتقلين في السجون السورية، ولا لمصير عشرات الشهداء الذين قُتلوا على يد اسياده ودفنوا في مقبرةٍ جماعية اسفل مكتبه بالضبط. فهل تجرّأ لحود يوماً على مطالبة السوريين بالكشف عن مصير معتقلي الجيش اللبناني في السجون السورية؟
وبعدما فرغ لحوّد من تصفية الضباط السياديين في الجيش اللبناني، وتسريح بعضهم، ثم تسليم بعضهم الآخر للمخابرات السورية، إنتقل لفبركة الملفات بحق الدكتور جعجع و"القوات اللبنانية"، وغني عن التذكير بالدور الذي لعبه الثنائي لحود-جميل السيّد في إضطهاد آلاف الشبان المسيحيين وصولاً الى تصفيتهم الجسدية، كما حصل لفوزي الراسي الذي اغتيل في سجن اميل لحود بتاريخ 21 نيسان 1994 حيث هناك دعاوى مرفوعة من قبل ذوي الشهيد الراسي بحق لحوّد وزمرته المأجورة، ولاحقاً في ايار 2002 تمت تصفية رمزي عيراني. وفي الحقيقة، إن كل الملفات التي فبركتها قوى الإحتلال بحق "القوات اللبنانية" هي في المبدأ ساقطة بموجب القانون الدولي، كونها صادرة عن سلطة إحتلال ووصاية. امّا في المضمون، فهي وسامٌ يُعلّق على صدر "القوات اللبنانية" ودليلٌ ساطع على ان "القوات اللبنانية" شكلّت النقيض الوجودي والخصم العنيد لقوى الإحتلال وادواتها الداخلية.
وبالإنتقال الى الـ 2005، فقد "نشطت" في هذا العام، وتحت انظار اميل لحود بالتحديد، عمليات الإغتيال ومحاولة إغتيال القيادات المسيحية واللبنانية، ومنها اغتيال جبران التويني، بيار الجميّل، انطوان غانم، اللواء فرانسوا الحاج، ومحاولة إغتيال وزير الدفاع الياس المّر، بالإضافة الى إغتيالاتٍ طاولت زعامات من مختلف الطوائف اللبنانية. وعوض ان يكون رئيس الجمهورية "المسيحي" في طليعة المطالبين بإنشاء محكمة دولية تُنزل العقاب بقتلة القيادات المسيحية، تجندّ صنيعة المخابرات السورية اميل لحوّد لتعطيل قيام المحكمة، فأرسل الكتاب تلو الكتاب الى الأمين العام للأمم المتحدة يُطالب فيه بإلغاء المحكمة الدولية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، بتاريخ 14 تشرين الثاني 2006، و5 شباط 2007. فهل هكذا يكون الحرص على مصالح المسيحيين؟؟؟
وفي الختام، لم نكن لنستنفد الوقت والجهد للرّد على اميل ابن ذاك العميل، لو لم تكن الأكاذيب التي ساقها هي اكبر ضرب "رذالة" يستفّز مشاعر شريحة لبنانية واسعة، من خلال تلميع حقبةٍ سوداوية بائدة "بطلها" مجرّد دمية، وذلك على حساب تشويه محطاتٍ مُشرقة من تاريخ لبنان، ابطالها شهداء ومعتقلو ومناضلو ثورة الأرز.