كتبت "الوطن" السورية في افتتاحيتها ليوم الخميس 30 كانون الأول 2010: بخلاف لغو ومزاعم وذرائع مؤيدي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تستعد لإصدار قرارها الظني المتعلق باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، لم تترك إسرائيل أي فسحة للدفاع عنها، ليس فقط حيال تورطها المباشر في سلسلة عمليات الاغتيال التي بدأت بالرئيس الحريري وطالت عدداً من السياسيين والعسكريين والأمنيين اللبنانيين.
وأفضت إلى زلازل سياسية وأمنية وضعت لبنان في عين عاصفة مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذي بشَرت به وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة كونداليزا رايس إبان عدوان تموز 2006 على لبنان.
وإنما تورطها كذلك في محاولة هندسة الخريطة السياسية الجديدة اللبنانية التي يحاول أصحاب هذه المحكمة الأداة فرضها على اللبنانيين، وذلك عبر رفع منسوب التهديدات وقرع طبول الحرب بذريعة أن «حزب الله» الذي يرفض الاتهامات الظالمة التي سترد في قرار المحكمة الاتهامي، ربما يتجه، وفق ما نقلت صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية عن ضابط إسرائيلي كبير، إلى إشعال الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، أو تغيير المعادلة السياسية القائمة في لبنان لمصلحة الحزب وحلفائه اللبنانيين والإقليميين.
ورغم الجدل الواسع حيال احتمالات قيام إسرائيل بشن عدوان على لبنان، يتوكأ على القرار الاتهامي المنتظر ويترجمه على الأرض، إلا أن هذا العدوان ما زال متواصلاً منذ انتهاء الأعمال القتالية في آب 2006، وإن كان بوسائل أخرى عديدة، أبرزها تلك الاختراقات الجوية والبحرية شبه اليومية للأجواء والمياه الإقليمية اللبنانية، وذلك الكم الكبير من شبكات التجسس الإسرائيلية التي تم كشف العشرات منها خلال الأشهر الماضية، واستباحة شبكة الاتصالات اللبنانية، بشقيها المحمول والأرضي، فضلا عن زرع منظومات تجسس ورصد في مناطق مختلفة من لبنان، والتي تمكنت المقاومة والجيش اللبناني في تفكيك اثنتين منها في مرتفعات صنين والباروك، وهو ما اعتبر، وفق الصحافة الإسرائيلية، بمثابة «ضرر استخباري خطير» يمس بقدرة إسرائيل على جمع المعلومات وضرب الأهداف.
ويبدو من المهم التذكير بأن هذه الاستباحة الاستخباراتية للبنان، كان يقابلها جهد متواصل لترميم القوة العسكرية الإسرائيلية وتعزيزها بأحدث أنواع الأسلحة الأميركية والعتاد، وسد الفجوات الواسعة التي أحدثتها المقاومة الإسلامية في جدار ما يسمى «الردع الإسرائيلي»، وذلك إضافة إلى تنفيذ عدد كبير من المناورات العسكرية كان آخرها تلك المناورة التي نفذها الجيش الإسرائيلي في الجولان المحتل، والتي حاكت هجوماً برياً على مواقع مفترضة لـ«حزب الله»، فضلاً عن المناورات المدنية المتصلة بالجبهة الداخلية، والعمل على بناء شبكة دفاع صاروخي متعددة المراحل يقول مسؤولون إسرائيليون إنها ستكتمل بحلول عام 2015، وستضم صواريخ اعتراضية متوسطة وبعيدة المدى تدمر الصواريخ خارج الغلاف الجوي للأرض. وحسب المصادر العبرية، فإن إسرائيل التي طورت منظومة «القبة الحديدية» التي تسقط صواريخ يبلغ مداها بين خمسة و70 كيلومتراً، تعمل على أن يكون نظام «درع داود» للصواريخ الاعتراضية جاهزاً بحلول عام 2013.
أما المرحلة التالية من الدرع الصاروخي الإسرائيلي التي تشمل نظام «حيتس 3» المصمم للتصدي للصواريخ التي تطلق على ارتفاعات عالية، فالمتوقع، حسب رئيس إدارة المشروع الكولونيل احتياط يؤاف تورجمان، أن يصبح جاهزاً بحلول عام 2014 أو 2015، كما يتوقع أن تجرى أول تجربة حية لهذا الصاروخ الذي تتراوح تكلفته بين مليونين وثلاثة ملايين دولار، في عام 2011.
ومع ذلك، فإن ثمة جدلاً إسرائيلياً ما زال يراوح بين التحذير من قوة «حزب الله» التي تراكمت خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، وضرورة عدم الاطمئنان إلى ما يسمى «قوة الردع» التي ما زالت تعاني عيوباً كثيرة، وكذلك إلى التقدير غير الدقيق لمتانة «الجبهة الداخلية»، وبين الدعوة إلى عدم الاستسلام لما يسمى «توازن الرعب» الذي فرضته المقاومة الإسلامية، ولو أدى ذلك إلى تدمير دولة لبنان «التي لا يمكن تحييدها في أي حرب مقبلة»، وفق ما يرى مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق غيورا ايلاند الذي أكد، خلال حديث للإذاعة الإسرائيلية يوم 16/12 الماضي، أن هذه هي الطريقة الوحيدة لاستعادة قوة الردع التي تهتكت على يد «حزب الله» عام 2006. وحسب الجنرال ايلاند، فإن إسرائيل «لا تستطيع هزيمة الحزب في مواجهة مباشرة»، ذلك أنه، وعلى الرغم من أن «حزب الله» سيتكبد، وفق تقديره، خسائر فادحة، إلا أنه سيلحق أضراراً أشد بالجبهة الداخلية التي قال الخبير العسكري الإسرائيلي أوزي روبن إنها ستتلقى 13 ألف صاروخ وقذيفة، منها ما هو دقيق ويحمل رؤوسا متفجّرة بزنة نصف طن، على حين ستضرب منطقة تل أبيب بـ1500 صاروخ، وهو ما يكفي لتعطيل الاقتصاد وضرب القواعد العسكريّة.
هذه التقديرات التي يطلقها بعض الضباط السابقين والخبراء العسكريين تتقاطع، في جوانب واسعة منها، مع تقديرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ومراكز البحث التي أصدرت دراسات عدة بهذا الخصوص خلال الآونة الأخيرة. وحسب تقرير عسكري نشرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» يوم 14/12 الماضي أجزاء مطولة منه، فإن «حزب الله» ضاعف قواته بثلاثة أضعاف، ويوجد اليوم تحت تصرفه نحو 50 ألف صاروخ ومقذوفة صاروخية. غير أن الجديد في التقرير الذي يؤكد ما سماه «تحسين إسرائيل قدراتها من خلال تدريب القوات البرية، وشراء معدات متطورة للوحدات النظامية والاحتياطية»، هو إشارته إلى «تشديد الجيش الإسرائيلي سيطرته الاستخبارية في لبنان»، وتالياً زيادته عدد أهداف الحزب بنسبة «ألف بالمئة» بالقياس إلى أيام حرب تموز 2006. وهي ذات المعلومة التي ذكرتها صحيفة «جويش كرونيكل» اللندنية التي زعمت أن هذه الأهداف «تتضمن مواقع إطلاق الصواريخ، ومراكز القيادة، ومخازن الأسلحة التابعة لـ«حزب الله»، مضيفة إن الجيش الإسرائيلي «وضع أيضاً قوائم مشابهة من الأهداف في غزة وسورية، لاعتقاده أنهما يمكن أن تشاركا في أي حرب تندلع في المستقبل في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب إيران ولبنان».
وعلى الصعيد ذاته، وفي عدده المئة والثلاثين لشهر كانون الأول 2010 من مجلته «تقدير إستراتيجي» للسنة الحادية عشرة، واصل «معهد أبحاث الأمن القومي» الإسرائيلي، تناول التهديدات الإستراتيجية التي تواجه الكيان الإسرائيلي، حيث ركَز على تحديي «حزب الله» و«حماس»، واحتمالات المواجهة المقبلة. ويعترف الخبير رون تيرا، وهو أحد الخبراء في قسم تخطيط المعركة في سلاح الجو الإسرائيلي، أن إسرائيل لم تعد قادرة على جني نتائج سياسية من معاركها العسكرية ولم تتمكن من «الخروج» من المواجهة عامة ومن ساحة القتال، ويدعو لذلك إلى تحديد أهداف للحرب قابلة للتحقيق، كما يورد مقارنة بين ماض كان التصور الإسرائيلي الأمني فيه قائماً على إزالة التهديد من خلال هزيمة جيش العدو، والسيناريو الحالي الذي يتم الحديث عنه هو محاولة العدو استنزاف إسرائيل والتأثير فيها دبلوماسياً وقانونياً وداخلياً واقتصادياً باستخدام نظام صواريخ كثيرة العدد، لكنه خفي ويعمل من عمق آخذ في الازدياد وعصي على الاستهداف داخل أرض العدو، حيث بات من غير العملي الحديث عن إزالة التهديد مباشرة وسلب العدو القدرة على العمل الصاروخي.
وعليه، فإن أي معركة قادمة، وفق تقدير الخبير الإسرائيلي، لن تغير الواقع الأساسي السائد، كما أنه لا يمكن التخطيط لوضع نهاية عسكرية تفضي إلى وضع نهاية سياسية تغيّر الواقع وتمكّن من الخروج من المواجهة السياسية.
وعلى الرغم من أنه ستكون لمعركة كبيرة أو صغيرة نتائج عسكرية مختلفة، إلا أن النتيجة السياسية ستكون متشابهة: يمكن التأثير في قدرات اللاعبين وسلوكهم داخل النظام القائم، لكن لا يمكن نقض النظام القائم وإحلال نظام أسهل على إسرائيل محله. أما الأهداف التي يرى إمكان تحقيقها، فتختزل بالمس بقدرة إيران و«حزب الله» على المشاركة في إعادة إعمار لبنان بعد الحرب، أو تقليل ما يسميه «شهوة أبناء الجنوب بخاصة لمواجهات أخرى مع إسرائيل». أي في النهاية «معركة متواضعة» تجعل لنفسها سقف إنجازات عسكرية وسياسية غير طموح.