عقبات كبيرة تمنع التسوية في موضوع المحكمة
خصوم العدالة الدولية الطرف الأضعف في المعركة
"تناول تقرير جديد أصدره مركز ديبلوماسي تابع لوزارة الخارجية في دولة اوروبية بارزة موضوع الاتصالات العربية – اللبنانية – الدولية الهادفة الى محاولة الاتفاق على "صيغة تسوية" تتعلق بالمحكمة الخاصة المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية اخرى مرتبطة بها، فركّز هذا التقرير على المسائل الاساسية الآتية:
اولاً – ليست لدى مجلس الامن أو الدول البارزة والمؤثرة دوافع ومبررات قانونية مناسبة ومصالح سياسية وامنية واستراتيجية لوقف عمل المحكمة ومنع صدور القرار الظني وفقاً لما يطالب به خصوم المحكمة.
ثانياً – لن تستطيع أي دولة أو مجموعة دول ان تفرض على مجلس الأمن صيغة تسوية يمكن ان يتوصل اليها اطراف لبنانيون واقليميون اذا كانت هذه الصيغة تهدد صدقية مجلس الامن والمحكمة وتمنع مواصلة العملية القضائية الدولية لكشف حقائق هذه الجرائم ووقف نهج الاغتيالات السياسية. ذلك ان عقبات اساسية عدة في مجلس الامن وفي المحكمة تمنع تنفيذ اي صفقة كهذه.
ثالثاً – يستطيع قضاة المحكمة انفسهم، استناداً الى صلاحياتهم، رفض تطبيق اي صفقة سياسية تتناقض مع متطلبات العدالة وتقضي على جهود لجنة التحقيق الدولية المستمرة منذ اكثر من خمس سنوات وتحجب الحقائق وتمنع محاسبة المتورطين في هذه الجرائم.
رابعاً – خصوم المحكمة ليسوا الطرف الاقوى في المعركة الدائرة حالياً حول مصير العملية القضائية الدولية بل انهم الطرف الاضعف لأنهم يواجهون في وقت واحد الغالبية من اللبنانيين ومجلس الامن والمحكمة الخاصة ودولاً عربية واجنبية بارزة تملك امكانات واسعة لإحباط خططهم. كما ان خصوم المحكمة يستخدمون "اسلحة" واساليب تشكل تحدياً لدور مجلس الامن ولمتطلبات عمل المحكمة، وليست لديهم حجج او ذرائع ومبررات قانونية وشرعية حقيقية تدعم طلبهم وقف عمل المحكمة ومنع صدور القرار الظني.
خامساً – ان المسؤولين الحقيقيين عن المأزق الكبير الذي يواجهه لبنان وعن الاخطار الداخلية والخارجية المحتملة التي تهدد البلد هم الذين اغتالوا الحريري ورفاقه وشخصيات وطنية اخرى، وهم الذين يحاولون فرض شروط تعجيزية على اصحاب الحق المشروع في معرفة الحقيقة ومحاسبة المتورطين في هذه الجرائم، وهم الذين يلوّحون بتفجير الاوضاع لوقف مسيرة العدالة".
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع في باريس. وأوضحت ان التقرير الديبلوماسي الاوروبي تضمّن الامور والنقاط الآتية التي تظهر وجود عقبات جوهرية ومهمة عدة تمنع اسقاط المحكمة:
اولاً – لم يسبق لمجلس الامن او الامم المتحدة ان اتخذا قراراً بوقف عمل محكمة دولية او ذات طابع دولي نتيجة ضغوط سياسية يمارسها الفريق المتضرر لأن حصول ذلك يشكّل نوعاً من "الانتحار الذاتي" للعدالة الدولية. ولم يسبق لمجلس الامن ان تراجع عن قرار اصدره استناداً الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. ويستطيع مجلس الامن، نظرياً، اصدار قرار جديد يلغي بموجبه القرار 1759 الذي انشأ المحكمة الخاصة، لكن ذلك يتطلب موافقة الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية عليه وعدم استخدام اي منها حق النقض (الفيتو). لكن الدول الخمس الكبرى تدعم علناً وصراحة المحكمة وتؤيد مواصلة مهمتها الى النهاية.
ثانياً – من الناحية النظرية يستحيل وقف عمل المحكمة نتيجة صفقة سياسية أو تفاهمات عربية – لبنانية تفرض على الامم المتحدة لأن هذه القضية تعني المجتمع الدولي ككل نظراً الى صدور قرارات عدة عن مجلس الامن في شأنها وفي شأن لجنة التحقيق الدولية. بل يجب ان يسبق اصدار اي قرار جديد عن مجلس الامن يطلب وقف عمل المحكمة اجراء مناقشات بين الدول الاعضاء في المجلس تتناول الدوافع والاسباب التي يمكن ان تبرر اتخاذ مثل هذا القرار الاستثنائي الكبير الذي يقضي بتراجع المنظمة الدولية عن النظر في جريمة اغتيال الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية اخرى هزت لبنان وشكّلت، وفقاً للقرار 1757، "تهديداً للسلام والامن الدوليين". والواقع ان الذين يطالبون بوقف المحكمة هم المتضررون منها والقلقون من قراراتها واحكامها في الوقت الذي يتمسك بالمحكمة اهالي الضحايا واللبنانيون في غالبيتهم كما تتمسك بها سائر الدول الحريصة على مصير لبنان والمطالبة بوقف نهج الاغتيالات السياسية. ورضوخ مجلس الامن لخصوم المحكمة يشكل فضيحة سياسية كبرى تمس بصدقية المجلس ومسار العدالة الدولية وتضعف سلطة القانون بشكل عام وليس في لبنان وحده. ويصعب كثيراً ان يتورط رؤساء الدول المعنيون بهذه القضية في فضيحة سياسية – قانونية كهذه من اجل ارضاء فريق لبناني أو طرف اقليمي.
ثالثاً – لم يقدم خصوم المحكمة ادلة وحججاً ومعلومات جدية وموضوعية مقنعة أو معطيات ذات قيمة قانونية تدفع مجلس الامن، نظرياً، الى اجراء مناقشات بين اعضائه في شأن إمكان وقف عمل المحكمة. فالتهديد بتفجير الاوضاع في لبنان اذا صدر القرار الظني وواصلت المحكمة عملها ليس حجة مقنعة، لأن الرضوخ لمثل هذا التهديد يعني ان مجلس الامن يرضخ للعنف ويتبنى منطق الاستقواء بالسلاح ويتخلى عن الدفاع عن حقوق اهالي الضحايا وعن مصالح اللبنانيين الحيوية، ويعني ان الدولة اللبنانية ومؤسساتها وقواها العسكرية والامنية ليست قادرة على حماية المواطنين والسلم الاهلي من اخطار المسلحين الى اي فريق انتموا. وحصول ذلك يشكّل تهديداً جدياً للاستقرار والسلم الاهلي والوحدة الوطنية في لبنان. واتهام المحكمة بالتسيس والانحياز وبالخضوع للاملاءات الاميركية والاسرائيلية وبالعمل ضد المقاومة يتناقض مع الحقائق والوقائع الاساسية المعروفة، خصوصاً ان خصوم المحكمة لم يقدموا اي دليل يدعم اتهاماتهم هذه. فالمحكمة انشئت بقرار من مجلس الامن الذي يمثّل الشرعية الدولية وليس بقرار اميركي، واثبتت بأعمالها واجراءاتها انها غير منحازة الى اي طرف وانها تتمتع بالاستقلالية التامة وتعمل بشفافية. والمحكمة ليست لديها اساساً الصلاحيات القانونية والقدرات اللازمة للقيام بأي عمل ضد المقاومة اذ ان مهمتها تقتصر على النظر في جرائم سياسية وارهابية كبيرة وإصدار احكامها وقراراتها استناداً الى اعلى المعايير القانونية. والقول ان القرار الظني باطل ويجب منع صدوره لأنه سيتهم اشخاصاً معينين ولأنه يستند الى معلومات خاطئة وافادات شهود زور ليس مقنعاً، اذ يستحيل تقويم مضمون هذا القرار قبل صدوره والاطلاع على الادلة والمعلومات والقرائن التي يملكها المدعي العام الدولي دانيال بلمار. وليس ممكناً القول ان التحقيق الدولي استبعد فرضية تورط اسرائيل في جريمة اغتيال الحريري ورفاقه قبل نشر القرار الظني. ومحاكمة المتهمين غيابياً إجراء قانوني شرعي يعتمد في لبنان والكثير من الدول حين ترفض جهة ما تسليم المطلوبين الى المحكمة أو حين يفر المطلوبون. وهذا الاجراء ضروري لضمان استمرار مسيرة العدالة وعدم توقفها بقرار يتخذه المتهمون ومن يدعمهم. وقد حرصت المحكمة الخاصة على ان تضمن في وقت واحد حقوق اهالي الضحايا والمتمسكين بالعدالة وكذلك حقوق المتهمين من خلال انشاء مكتب للدفاع تموّله المحكمة ويؤمّن المحامين للمتهمين، وهو ما ليس له وجود في المحاكم الدولية الاخرى.
رابعاً – إصرار خصوم المحكمة على اعطاء الاولوية لقضية شهود الزور والمطالبة بعدم إصدار القرار الظني قبل النظر في هذه القضية امام المجلس العدلي في لبنان، هذه الخطوة ليست لها مبررات قانونية بل ان دوافعها سياسية بحتة. فالمحكمة الخاصة ترى انه ليس ثمة وجود لشهود الزور حتى الآن اذ ان هذه التهمة توجّه الى الذين يدلون بشهادات مزورة امامها والى الذين يقدمون معلومات خاطئة ومضللة اليها. لكن المحكمة لم تبدأ إجراءات الاستماع الى الشهود حتى الآن اذ ان القضية كلها لا تزال في مرحلة اعداد القرار الظني. واذا كان اشخاص معينون قدموا شهادات مزورة ومعلومات مضللة الى لجنة التحقيق الدولية، فإن المدّعي العام الدولي سيتجاهلها كلياً ولن يعتمد عليها لدى إصداره القرار الظني. وليس ممكناً، من الناحية القانونية، محاكمة اي شخص بتهمة الادلاء بشهادة زور قبل صدور القرار الظني والاطلاع على نص شهادته امام المحكمة.
قضاة المحكمة والصفقة
خامساً – المحكمة الخاصة تستند في عملها الى ركيزتين اساسيتين: الاولى مجلس الامن الذي انشأها والذي يؤمّن لها الشرعية والدعم والحماية ويرعى عملها، والثانية هي هيئة المحكمة التي تضم قضاة من جنسيات مختلفة. وقضاة المحكمة يملكون صلاحية رفض اي قرار سياسي محلي او اقليمي او دولي يدعوهم الى وقف مهمتهم واقفال ملفات الجرائم التي ينظرون فيها وكأنها لم تقع وذلك للأسباب الآتية:
اولاً، لن يقبل القضاة بالتخلي عن حصيلة عمل لجنة التحقيق الدولية التي تملك كمية كبيرة من الأدلة والقرائن والمعطيات والمعلومات والشهادات المتعلقة بجريمة اغتيال الحريري ورفاقه وبجرائم اخرى.
ثانيا، قضاة المحكمة ليسوا موظفين اداريين عاديين يتلقون التعليمات وينفذوها بل انهم يتمتعون بالحصانة وهم حريصون على سمعتهم وصدقيتهم ورصيدهم ولن يقبلوا بتزوير الحقائق أو تجاهلها والقول ان التحقيق الدولي لم يكشف شيئاً او انه وصل الى طريق مسدود من اجل ارضاء هذا الفريق او ذاك، كما انهم لن يقبلوا بتحمّل مسؤولية تنفيذ صفقة تعقد على حساب العدالة ويمكن، نظرياً، ان تفرض عليهم، ثالثاً، اذا حصل المستحيل واصدر مجلس الامن قراراً يقضي بوقف عمل المحكمة، فان القضاة سيتمردون على هذا القرار ولن يرضخوا له بل انهم سيكشفون علناً كل ما يملكونه من ادلة ومعلومات عن هذه الجرائم ويفضحون الجهات التي اوقفت عمل المحكمة. ولن تقبل اي جهة بتحمل تهمة المشاركة في طمس الحقيقة ووقف مسار العدالة من اجل ارضاء خصوم المحكمة والمتضررين منها.
سادساً – ما يعزز استقلالية المحكمة الخاصة انها تملك صلاحية إصدار قراراتها من دون التشاور والتفاهم سلفاً مع الحكومة اللبنانية او حتى مع مجلس الامن ومن دون الرضوخ تالياً لأي ضغوط لبنانية او اقليمية او دولية. فالمحكمة تمتلك ديناميكية ذاتية تدعمها اعلى سلطة دولية وهي مجلس الامن بقطع النظر عن قراراتها، وتستمد قراراتها واجراءاتها القوة والشرعية من استنادها الى اعلى المعايير القانونية.
سابعاً – ان الحملة الشديدة على المحكمة المرفقة بالضغوط والتهديدات المتنوعة تعطي، في الواقع، المزيد من الشرعية والصدقية لعمل المحكمة، اذ تؤكد ا ن اللجوء الى العدالة الدولية هو السبيل الوحيد للاطلاع على حقائق هذه الجرائم وملاحقة ومحاسبة المتورطين فيها استناداً الى ادلة وقرائن صلبة وقوية. اذ لو كلف القضاء اللبناني النظر في هذه الجرائم الكبرى لبقي الفاعلون مجهولين كما حصل بالنسبة الى مجموعة كبيرة من الجرائم التي ذهب ضحيتها زعماء وشخصيات سياسية ودينية وفكرية واعلامية عدة خلال العقود القليلة الماضية.
ثامناً – ان الذين يهددون بتفجير الاوضاع في لبنان لوقف عمل المحكمة او للرد على القرار الظني ليسوا في حال دفاع مشروع عن النفس بل هم في حال هجوم واعتداء على اهالي الضحايا وعلى المتمسكين بالعدالة وعلى اللبنانيين عموماً. ولذلك لن يقف المجتمع الدولي الى جانب خصوم المحكمة والمتضررين منها الذين يذهبون ابعد من رفض قراراتها، اذ انهم يهددون بمعاقبة اللبنانيين وبتعريض مصير لبنان للخطر، فيما يبدو منطقياً ومشروعاً ان يتعامل هؤلاء مع العملية القضائية الدولية بالوسائل القانونية المناسبة اي بتكليف محامين الدفاع عن المتهمين وتقديم ادلة ومعلومات مناقضة لتلك التي سيقدمها المدعي العام الدولي في قراره الظني مما يمهد لاجراء محاكمة عادلة ومنصفة.
ولخص التقرير الاوروبي الوضع كالآتي: "يتصرف خصوم المحكمة على اساس ان العالم جزء من لبنان وانهم يستطيعون تالياً ارغام مجلس الامن ومجموعة كبيرة من الدول والمحكمة ذاتها على الرضوخ لهم ولمطالبهم. لكن الحقيقة البسيطة والواضحة هي ان لبنان جزء صغير من العالم وان خصوم المحكمة هم جزء من هذا الجزء الصغير مما يعني ان المطلوب منهم ان يرضخوا هم لمتطلبات العدالة الدولية، خصوصاً ان هدفها حماية هذا البلد وابنائه من الاغتيالات وأخطار استخدام العنف والسلاح في الصراع السياسي الداخلي، وانها تحتكم الى القانون لمحاسبة المتورطين في هذه الجرائم وليس الى اي عوامل او حسابات سياسية".