يخطئ من يتصور ان اقفال مجلس الوزراء هذه الايام ليس بمستوى اقفال مجلس النواب بوجه الانتخابات الرئاسية في العام 2008. وهناك من يجزم بأن قرار تلك الاونة هو عينه قرار هذه الايام، ما يعني ايضا ان قوى المعارضة مصرة على اخذ البلد الى المجهول عن سابق تصور وتصميم، عملا بمشروع اسقاط النظام البرلماني – الديموقراطي الذي احل سطوة القوة والسلاح محل القوانين!
كما يخطئ من يعتقد ان القبول بشروط قوى 8 اذار الداعية الى مساواة الشهود الزور بمسلسل الاغتيالات، سيضع حداً للتسيب السياسي في البلد، كي لا نقول محاولات فرض الشروط والامر الواقع. وهذا بدوره محسوب بدقة متناهية في المشروع القائل ان "ليس افضل من خنق لبنان الدولة والشعب والمؤسسات بديمومة خلافات تؤدي تلقائيا الى زرع عدم الثقة بكل شيء في البلد".
ومن اسوأ ما طلعت به افكار بعض السائرين في ركاب حزب الله قول هولاء ان من الافضل الاعتماد على الخنق السياسي – الاداري السائد حاليا من ان يتحول الصراع الى لغة العنف ومستتبعات الفتنة المذهبية، حيث لا بد عندها من نعي مسبق لكل ما له علاقة بالنظام والقوانين، بدليل تركيز معظم المعارضين في هذه الاثناء على افهام جماعاتهم بأن من الافضل لهم الاتكال على انفسهم "لان الاجازة القسرية لمجلس الوزراء ستستمر طويلا"!
الواضح من هذا التخويف ان "البدائل القانونية والشرعية غير متاحة امام المعارضة لان تصل الى ما تراه حقوقا مشروعة". حتى وان كان "المجتهد الاكبر" الرابض في الرابية يدعي ان "العصيان المدني" يتضمن حال رفض سياسية من نوع مقاطعة مجلس النواب ومجلس الوزراء والنزول الى الشارع، وهيهات ان يتذكر احد قول رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ما قاله عن رئيس التيار الوطني الفاقد لحريته النائب ميشال عون في اعقاب انتخابات العام 2005، انه "تسونامي سيضع البلد امام احتمالات صراع بقاء"!
ليس المهم في هذه الايام العودة بالذاكرة الى ما قاله جنبلاط عن عون (…) او الى ما يراه عون من حسنات جنبلاطية في السياسة وسواها. بل المهم التحسب لمخاطر اللعبة التي يخوضها عون مع حزب الله متسلحاً بمقولة الدفاع عن المسيحيين من مغبة اعتماد الحل المسلح. وفي ذلك اشارة ضمنية الى ان الانقلاب لن يقتصر على احتلال مخفر او نزع سلاح شرطي سير، بقدر ما تؤكد معلومات ان "الذروة ستشمل قصر بعبدا والسراي الحكومي ووزارتي الدفاع والداخلية والمؤسسات التابعة للجيش وقوى الامن الداخلي وبقية الاجهزة الادارية والامنية في بيروت وبقية المحافظات!"
هذا التصور ليس من بنات افكار مروجي الاعلام الغبي مثلهم مثل الذين يتحدثون عن الابراج، لاسيما ان مسؤولاً اوروبيا بارزا بحجم وزير الخارجية البريطانية قد قال بصريح العبارة ان "لبنان يعاني من ازمة بقاء ومصير". مع العلم ان سفيرة بريطانيا في لبنان قد خففت من الوقع السلبي لكلام وزير خارجية بلادها عندما قالت انه لا يعكس نظرة الحكومة الى الوضع في لبنان!
وطالما ان كلام السفير الاميركي السابق في الامم المتحدة جون بولتون قال بدوره ضمنا عن حزب الله والوضع في لبنان والمحكمة الدولية ما جعل النوم يجافي عيون فريق المعارضة فان امورنا الداخلية مرشحة لان تتحول بين ليلة وضحاها الى صراع بقاء، تتداخل فيه مشاريع الخارج مع بعض الالتزامات الاقليمية. وما الكلام في هذه الازمة على ملف التنقيب عن النفط في البحر سوى ذر للرماد في العيون، وللدلالة ايضا على ان الازمة السياسية عائدة الى رفض قوى 14 اذار التنازل عن حق معرفة من قتل شهداءها والاكتفاء بذريعة وعباءة الشهود الزور"!
امام هذا الواقع الهش ومع نهاية عام الظلامية الحزبية والسياسية، لم يعد من مفعول ايجابي في حده الادنى للمسعى السعودي – السوري. وعلى من لا يصدق هذا الكلام ان يدلنا على متنفس واحد يكفل الاضاءة على الواقع وليس مجرد التبصر، حتى وان جاء عن طريق بعض المناورين من بقايا الاحزاب والتنظيمات البائدة التي استعادت بريقها بالاتكال على تحالفاتها (…) ومن بعدها الطوفان؟!