"المحاكم وجدت لدرء الفتن بين الناس ومنع الأخذ بالثأر وحماية حقوق من هم غير قادرين على الأخذ بالثأر".
"الحماقة الكبرى!"
لا يمكن بعد أن قرأت مقالة الأستاذ طلال سلمان حول ربط الفتنة بالمحكمة الدولية إلا أن تعودني الذاكرة الى بعيد اغتيال الشهيد رفيق الحريري عند وصف الأستاذ عينه عملية الاغتيال بـ"الحماقة الكبرى!". بالطبع فلو كان الأستاذ يشك بإسرائيل لما كان تحدث عن حماقة بل لكان الوصف "المؤامرة الصهيونية الكبرى" ولو كان الحديث عن الغرب وأميركا لكان الوصف "المؤامرة الإمبريالية الكبرى"، ولكنه عندما وصفها بالحماقة فكان يوصف على الأرجح خلافاً بين أفراد قبيلة واحدة أطلق أحدهم النار على الآخر وقتله في فورة غضب وقلة في الانضباط، مما يستدعي علاج الموضوع على طريقة العدالة القبلية، بأن تتصالح العوائل وأن يدفع القاتل الدية لأهل القتيل حتى نتحاشى "الفتنة" ولا يلجأ آل القتيل الى خطوات غير محسوبة للأخذ بالثأر. ولكن، وحتى في ظل العدالة القبلية، فإنه من واجب القاتل الاعتراف بالجرم وتسليم نفسه للمرجعية القبلية ومن بعدها يمكن الحديث عن حكم في ظل القانون المتعارف عليه ضمن المجتمع. يعني أنه حتى في ظل حكم القبائل فإن "الحماقة" القاتلة لها محكمتها ولها عقابها لأن غياب المحكمة وعدم اعتراف القاتل بذنبه هو ما يكون عادة مقدمة للفتنة الكبرى التي قد تفني القبيلة لمجرد عدم تطبيق القانون وغياب العدالة.
منطق العنزة السوداء:
لم أتفهم أنا حتى الآن منطق استغباء الناس الذي تمارسه بعض المراجع السياسية ووسائل إعلامها في اختراع "عنزة سوداء" تصبح منبع السوء وأصل الفساد بدل أن يعودوا لمعالجة أصل البلاء.
فأحد الأمثلة القائمة عن العنزة السوداء منذ ست سنوات هو القرار 1559 الذي صدر على خلفية التجديد لإميل لحود. وعلى الرغم من هذا القرار كان نسخة منقحة دولياً لفقرة من الدستور اللبناني أتى ليوصف علاج مرض مزمن هو الوجود السوري ووجود السلاح غير الشرعي، انبرى بعض السياسيين، ولا يزال، ليصفوا القرار الدولي بالمؤامرة التي تستهدف عروبة لبنان (أي بقاءه تحت الوصاية الى مالا نهاية) ومقاومته (أي استمرار حالة فقدان السيادة من خلال انتشار السلاح غير الشرعي والمربعات الأمنية تحت مسميات المقاومة).
واليوم أتى دور العنزة السوداء الثانية المتمثلة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فبدأ "أرهاط" السياسة والإعلام في تجمّع "8 آذار" بوصفها من جديد بالمؤامرة التي تستهدف المقاومة من خلال إثارة "فتنة" بين اللبنانيين. بالمحصّلة فإن هؤلاء "الأرهاط" يطالبون اليوم بأن يتغاضى اللبنانيون عن سلسلة الاغتيالات والأعمال الإرهابية التي استهدفتهم واستهدفت قادتهم على مدى ستين عاماً من عمر وطنهم، وبأن يقبلوا بتجاهل العدالة في سبيل درء الفتنة!
مقالة طلال سلمان
في هذا الوقت يأتي الأستاذ طلال سلمان ضمن السياق نفسه ليقول أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أنجزت ما عجزت عنه دولة العدو الإسرائيلي لأنها "ضربت وحدة الشعب ووزعته على الطوائف والمذاهب"، ويتناسى الأستاذ هنا دور السلاح المذهبي المسمى زوراً بالمقاومة الذي أرسى معادلات استقواء سياسية لفئة على أخرى لم تلبث أن انتقلت الى منطق "البلطجة" المباشر من خلال اعتداءات 7 أيار "المجيدة". وأنا أعلم علم اليقين أن التجمعات السنية خارج بيروت تحوّلت بعد هذا اليوم الى المنطق المذهبي كردّ فعل على ما قام به "حزب الله"، في حين أنها كانت بعيدة عنه في السابق.
ويقول الأستاذ أن المحكمة "شلّت الدولة، الضعيفة أصلاً، فصيرتها متهالكة، تكاد تعجز عن حماية مؤسساتها وإداراتها"، متناسياً أن هذه الدولة ضعفت أصلاً بسبب السلاح خارج الشرعية الذي فرض عليها منذ اتفاقية القاهرة سنة 1969، وما زال هذا الواقع على مدى 41 سنة رغم تبدل حاملي هذا السلاح. كما أن هذا الواقع هو ذاته ما فرض العجز في حماية وإدارة المؤسسات لخضوعها لمنطق التفوق المعنوي الفئوي الذي فرضه السلاح غير الشرعي وأدى الى إلغاء المسار الديموقراطي للحكم.
والعامل الآخر والأهم هو استمرار حال عدم الاستقرار السياسي والأمني مما أثر على مالية الدولة وبالتالي وضعها في حالة لهاث دائم وراء توازن أصبح مستحيلاً في ظل الوضع القائم. ولا يجب أن نغفل دور حرب تموز 2006 "المظفرة" والتي كانت نهايتها بانتصار "حزب الله" بداية لفتنة سياسية ومذهبية بدأت مع استقالة الوزراء واحتلال الوسط التجاري، ولم تنته مع اعتداءات السابع من أيار لاستمرارها من خلال سياسة التهديد وسفاهة القول وهزّ الأصابع.
كما أن هذه الحرب المظفرة وضعت مالية الدولة مجدداً تحت رحمة الدول ذات المصالح المتضاربة ووضع دولتنا في وضع فقدان ماء الوجه من كثرة التسوّل.
وهذه الحرب، ولو تغاضينا عن سبب اندلاعها المباشر، نرى أنها ابتدأت من إسرائيل، ولكن استكملت مفاعيلها من قِبَل "حزب الله".
ويقول الأستاذ أيضاً أن المحكمة "زعزعت ثقة الناس بعضهم بالبعض الآخر، إذ قسّمتهم بين قاتل أو متواطئ على القتل، وبين قتيل أو مرشّح للقتل" والواقع هو أن "الوطن هو القتيل".
أنا أوافق بالتأكيد على أن الوطن هو الضحية الأولى، ولكن المحكمة لم تأتِ لتدين "بعضاً" من اللبنانيين ولتنصر "البعض الآخر"، بل هي في الأساس أتت على خلفية جريمة قامت بها مجموعة من الأفراد، مدعومة من جهات لها مصالح سياسية معيّنة من خلال الجريمة. وهدف المحكمة هو سحب القتلة كأفراد من واقع اتهام طائفة بأكملها كما هو حاصل الآن، وسيستمر الاتهام المذهبي بالتأكيد على المستوى الشعبي في حال تمكن الإرهاب السياسي من منع استمرار المحكمة لأن القاتل سيبقى مجهولاً ولكن التهمة تبقى ولكن معممة.
ويقول الأستاذ "أسقط الاتهام الذي استبقى التحقيق، برأة الأبرياء، أي مجموع الشعب"، وبالتأكيد فإن الشعب اللبناني لم يتهم نفسه ولكن رد الفعل يومها كان طبيعياً باتهام النظام الأمني من خلال تجربة مرة على مدى 30 سنة مع دولة الوصاية، وسجل طويل من شهداء الاغتيالات والإرهاب السياسي والسجون، وتأتي المحكمة الآن لتضع حداً لواقع الاتهام "العاطفي" وتذهب الى اتهام القتلة ومحاكمتهم حتى لا يبقى الشك والاتهام في الإطار السياسي.
بالمحصلة يا أستاذ، وأنت سيد العارفين، فقد وقعت شعوبنا تحت أوهام الشعارات الطنانة الرنانة على مثال "الظافر والقاهر"، والتي لم تنتج إلا مزيداً من العسف والظلم وانعدام التنمية وازدياد التجهيل لأبنائنا وتيئيسهم من الحاضر والمستقبل والتأكيد الدائم لهم بأنهم غير قادرين على التغيير لغياب المحاسبة وخاصة غياب العدالة، ونحن نعتقد أن هذه المحكمة بالذات قد تكون إشارة الى أن عهداً أسوداً قد انتهى.