كنا نتمنى ان لا نضطر يوما الى التكلم بين بعضنا كلبنانيين بخطوط حمراء في علاقاتنا الداخلية، لان المنطق والشرع والدستور وعقيدة المواطنة تفترض ان يكون كل اللبنانيين متفقين على اسس وثوابت قيام الوطن والدولة وضوابط العلاقات بين بعضهم. انما مع الظاهرة الاستثنائية التي بدأت تظهر جراء تصرفات قوى "8 اذار" وعلى رأسها "حزب الله" والتي تشذ عن مسيرة التاريخ ومنطق الامور، وامام الاستفحال من طرفهم في استباحة كل الثوابت والمقومات والاسس التي قام عليها العقد الاجتماعي اللبناني منذ فجر الاستقلال وحتى ايامنا هذه، نرى وجوب ان نذكر الشركاء في الوطن بما لا يمكننا تحت اي ظرف ولاي سبب القبول به والسير في ركبه.
اولا: الخط الاحمر الاول لدينا لبنان بذاته ولن يمكننا التنازل عنه لاي سبب او ظرف مهما سما وعلا وتألق في عقائد وافكار فئات لبنانية معينة. فلبنان اولا بالنسبة الينا هو الهدف والغاية والاستراتيجية الوطنية التي نزود عنها وندافع عن مقوماتها.
فلا تطلبوا منا ان نكون لغير لبنان، ولا ان نعمل من اجل مصالح غير مصالح لبنان، ولا ان نتكلم الا بما يصب في مصالحة سيادة واستقلال لبنان. ان لبنان هو الاولوية لدينا ومن ثم الاشقاء والحلفاء والاصدقاء سواء السياسيين او العقائديين او القوميين او البعثيين او الدينيين. ولهذا السبب كافة الاطروحات والسياسات والتدخلات والاملاءات والتهديدات والعقائد والفسلفات المناهضة لمداميك سيادتنا واستقلالنا ستجد لدينا متابعة وملاحقة بالمرصاد ورفضاً وعدم اعتراف بها حفاظاً على لبنان اولاً.
ثانيا: الخط الاحمر الثاني هو حريتنا وديمقراطيتنا. فلن نقبل ولن نستسلم لاي محاولات ترهيب وترغيب وتهديد بأي سيناريو فرض وقوة وغصب وقمع واضطهاد، لاننا ابناء قضية لبنانية عمرها من عمر المشرق العربي وعراقتها من عراقة الاديان السماوية – مسلمين ومسيحيين – فحريتنا وديمقراطيتنا وحكم القانون الحامي والضامن هي مسلماتنا، وعنها لن نحيد ولن نسمح لاحد لا في الداخل ولا في الخارج بان يحيدنا عنها لانها جوهر وجود وكينونة لبنان.
فالشعب له رايه وكلمته الفاصلة، والشعب له حريته في قوله وفعله ومعتقده وفكره. ولن نسمح بأن تقوى عليه نظريات الضلال والانحراف الوطني. فلا يساور احد ولو لبرهات شعور او تفكير بأنه قادر على تطويع شعب ودولة وبلد قرر القسم الاكبر من ابنائه العيش فيه بكرامتهم وحريتهم وديمقراطيتهم الفريدة في هذا الشرق. ولا يساور احد شك ولو للحظة بأن في لبنان شعب قرر الصمود السلمي والحاسم والحازم في وجه مؤامرات التطويع والالحاق والتركيع… تحت اي شعار ولاي سبب – فشعار المقاومة مثلا شعار نبيل نريده ان يبقى نبيلا وان نكون جميعا مقاومين من اجل لبنان. فلن نقبل بأن تتحول المقاومة الى مشروع بديل عن الوطن ولا الى ولاء رديف للولاء للوطن ولا الى دولة في قلب دولة الوطن بنفس القوة التي بها لن نقبل للعدو الاسرائيلي ان يستبيحنا ويستبيح خلافاتنا الداخلية للانقضاض على سيادتنا واستقلالنا وسلامة اراضينا…
فكفى متاجرة بمبدأ المقاومة… وكفانا احتكارا للوطنية… وكفانا تزويرا للحقائق والتاريخ… فكلنا مقاومون في وجه العدو وكلنا جنود في حماية لبنان والزود عنه…
ثالثا: الخط الاحمر الثالث هو التعددية والتنوع. فما يحصل اليوم على الساحة اللبنانية وفي احدى ابعاده هو محاولة محو لهذه التعددية ولهذا التنوع من خلال جر اللبنانيين الى مواقف احادية وراديكالية، لا بل الى اتباع نهج واحد واللحاق بفكرة واحدة وتحولنا جميعا الى غيتو اقليمي منعزل في وجه العالم.
فما ميز لبنان على دوام هو تاريخه انفتاحه على العالم وحضاراته وانفتاحه على ثقافات الشعوب والامم. فلا يمكننا ان نقبل بالتقوقع والانعزال عن العالم كله وليس فقط عن العالم العربي كما يحلو لبعضهم اختزال الانفتاح. ولا يمكننا ان نرى في بلد واحد عمقا عربيا بل ننظر الى العمق العربي باوسع مجالاته من المحيط الى الخليج… فلا اختزال للعروبة ولا اختصار للقومية العربية في شعب او دولة اوبلد شقيق واحد… لان تنوعنا جزء من تنوع المنطقة وتعددية الشعوب في هذه المنطقة من العالم.
ثم ان تعدديتنا وتنوعنا لا يقبلان بتبني رأي واحد وفكر واحد وعقيدة واحدة ونظرة واحدة الى الامور. فمع احترامنا للنظريات والعقائد والافكار لدى قسم من اللبنانيين، الا اننا لا نرى ان لبنان قادر على تبني مبادئ ولاية الفقيه ولا مبادئ البعث العربي الاشتراكي ولا مبادئ الانغلاق والعداء للمؤسسات الدولية والشرعية الدولية والعدالة الدولية… ولا ان يتبنى السلاح والقوة نهجا في تعاطيه مع العالم… وفي نظرته الى حل القضايا الكبرى…
فالمشكلة لدى قوى "8 اذار" و"حزب الله" تحديدا انهم يعتقدون بانهم كل لبنان… وبالتالي لا يقيمون اعتبارا للاخرين… واول شرط لاستمرار الوئام الوطني والانسجام القومي التعددي والمتنوع بين عناصر الامة هو اعتراف كل فئة بحق الاخرى في الاختلاف وبحق الاخرى في احترام اختلافها… فـ"حزب الله" وكما سياسة المسيحيين الجدد ايام الرئيس جورج دبليو بوش، يتبنون مبدأ توتاليتاري قمعي: "من ليس معنا فهو حكما ضدنا" … وهنا عين الخطأ الاستراتيجي في فكر ونهج "حزب الله" وحلفائه … لان من ليس معكم ليس بالضرورة عدوا بل صاحب رأي اخر ونظرة اخرى جديرة بالاحترام كما تريدون من غيركم ان يحترم وجهة نظركم … فهذه هي ابسط متطلبات التنوع والتعددية التي لا بديل لدينا عنها ولا تنازل.
رابعا: اما الخط الاحمر الرابع فهو الدستور وحكم المؤسسات والسلطات الشرعية والقانون. فلا يمكننا تحت اي ظرف ولاي سبب بأن نقبل بدائل عن حكم المؤسسات ودور السلطات الشرعية والاجهزة الامنية الشرعية والقانون الوطني.
فلن نقبل ابدا بأن يكون سلاح ميليشيا بديلاً او رديفاً لسلاح الشرعية… ولن نقبل ابداً بأن تكون في لبنان سلطات امر واقع تطغى وتسمو على سلطات النظام الشرعية… ولن نقبل بأن يكون في لبنان امن ذاتي لكل مذهب او طائفة او فئة سياسية… ولن نقبل بأن يكون لدى اي فئة دستور خاص بها مستمد من عقائد او افكار او فلسفات لا تمت بصلة الى الدستور اللبناني والى فصل السلطات الدستورية وتعاونها…
فالدستور كتاب جميع اللبنانيين ومنه ينهلون قواعد تنظيم وتسيير نظامهم… والقانون هو شرعة كل اللبنانيين ولا فرق بين لبناني واخر الا بقدر التزامه بالقانون وبمنطق القانون وبدولة القانون والمؤسسات… ولا بندقية تعلو فوق بندقية الجيش اللبناني والقوى الامنية الشرعية على الارض اللبنانية…
خامسا: اما الخط الاحمر الخامس، فهو خط العدالة والحقيقة. فلن نتنازل ولن نقبل ولن نستكين قبل الكشف عن القتلة الذين اغتالوا خيرة رجالاتنا السياديين والاستقلاليين – وما نقوله نعنيه – فلا نسعى لا الى الانتقام من فريق لبناني ولا الى الاستقواء على فريق لبناني بالخارج – مع انه هو من يستقوي بالخارج علينا – ولا نسعى الى استغلال العدالة والحقيقة للنيل من فريق لبناني مهما تعمقت خلافاتنا معه – ولا نسعى الى الانصياع لارادات خارجية تضمر الشر والاذى للفريق اللبناني المناوئ لنا ولن نقبل بأن نكون اداة لضرب لبنانيين اخرين – ولكن … لن نقبل في الوقت نفسه وبنفس القوة بأن نتراجع عن الحقيقة والعدالة ولن نقبل بأن نطمس الحقيقة من اجل احد… ولن نقبل بمعادلة العدالة مقابل الاستقرار لاننا نعتقد جازمين بأن غياب العدالة هو الذي يضرب الاستقرار… واخفاء الحقيقة هو الذي يشعل الفتن…
خطوطنا الحمر هذه هي نظرتنا الى كيان لبنان ودوره في هذا الشرق… وخطوطنا الحمر هذه هي مسلماتنا وثوابتنا الوطنية… عيشنا المشترك واحترامنا لبعضنا وخصوصيات بعضنا وبالتالي اختلافات بعضنا… فمتى يقتنع "حزب الله" ومعه قوى "8 اذار" بأن الاختلاف ليس تصهين وبأن التعددية مصدر غنى وقوة دور لبنان في المنطقة والعالم…؟
