فصّل وزير الخارجية الأسبق فارس بويز التوقعات الدبلوماسية للعام 2011، على وقع تخبط الداخل اللبناني بالتجاذبات "في وقت يبدو بلدنا فيه بأمس الحاجة إلى أعلى درجات الجهوزية والدينامية والفاعلية على المستوى الخارجي، بينما نراه متخبطا بقراره الدّاخلي غير الموحّد، ومفتقدا إلى الآلية الفعالة للدفاع والتسويق لطروحاته عبر الوسائل الدبلوماسية التي تمارسها عادة وزارة الخارجية".
بويز ، وفي تصريح لصحيفة "السفير" توقف عند ما يسميها "الاستحقاقات الداهمة والمقبلة التي تتطلّب ربما طاقة أكبر من الطاقة العادية". فالسنة الجديدة، ستشهد حتما صدور القرار الاتهامي في قضية استشهاد الرئيس رفيق الحريري "ما سيطرح مشكلة داخلية أساسية وأخرى خارجية، والسؤال المطروح: كيف سيتعاطى لبنان مع هذا القرار كونه مغطّى من مجلس الأمن الدولي وسيصدر باسمه تقريبا، وهل لدى لبنان الوسائل الدبلوماسية الكافية لشرح عدم صوابيّة قرار لا يستند الى إثباتات مثلا؟ وهل لديه القدرة والوسيلة لشرح الثغرات الأساسية التي تعاني منها صدقيّة المحكمة الدولية أكان على المستوى التأسيسي الدّستوري أو على المستوى العملي في عملها حتى هذه الساعة، كما على المستوى السياسي وما يمكن أن تفجره هذه المحكمة في لبنان؟".
يتمثل الاستحقاق الثاني، بحسب بويز "في كيفية تطوّر الملف النووي الإيراني، والضغط الأميركي الإسرائيلي الدولي الذي يمارس على "حزب الله"، ومن هنا يصبح السؤال هل سيتمكّن لبنان بغياب قدراته الدبلوماسـية من القيام بمحاولة الفصل بين الصراع الدولي حول الملف الإيراني النووي وبين واقع المقاومة في لبنان؟".
وتطرق بويز إلى الاستحقاق الدبلوماسي الثالث والمتعلق بحقوق لبنان بالنفط والغاز الموجودين في مياهه الإقليمية، وقال: "لا نفهم كيف أن لبنان وهو المعني الأول والحلقة الأضعف لم يبادر إلى تحديد حدوده البحرية ولم يتمكن بعد من إقناع الأمم المتحدة بإقرار الخرائط التي أرسلها، ومن ثم لماذا التأخير في إصدار قانون الاستثمار الذي نحن في أمس الحاجة إليه؟ ولم التأخير في عملية المبادرة إلى تلزيم استثمارات تخلق أمرا واقعا لحقوق لبنان، وتقطع الطريق أمام مطامع إسرائيل الواضحة في هذا الخصوص؟".
ولفت بويز الانتباه الى أن المرحلة الإقليمية المقبلة للبنان ستبدّل وجه المعركة بينه وبين إسرائيل من معركة على الأرض إلى معركة حول المياه، والحروب المقبلة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسّط ستنعقد حول موضوع الثروة النفطية قبالة الشواطئ، وعلى لبنان أن يسارع الى تثبيت حدوده الدولية وفي استصدار قانون ينظّم عملية الاستثمار لا بل في تلزيم الاستثمار في أسرع وقت لشركة كبرى تابعة لدولة عظمى يصعب على إسرائيل تحديها.
واضاف بويز "أما واقع اليوم فهو أن إسرائيل بدأت تشيّع فكرة تفيد بأن حدود لبنان البحرية ليست خطا مستقيما يخرج من خط الناقورة، بل عليه إزاحة هذا الخط شمالا لبضعة كيلومترات لكي يصبح الخط المستقيم طبقا لمجرى البحر الأبيض المتوسّط في طوله، وهو واقع خطر للغاية. إذ يبدو بأن أهم مخزون من الغاز يقع تماما بوجه خط الناقورة، فإن كان هذا الخط مستقيما بحسب الأعراف الدولية، فيكون هذا المخزون مشتركا بين لبنان وإسرائيل، بينما إن عدّلت الحدود وأخذت شمالا كما تطالب إسرائيل فستضمّ حدودها هذا المخزون النفطي الهائل، من هنا، ثمة معركة كبرى تنتظر لبنان ودبلوماسييه في عملية الدفاع دوليا عن حدوده البحرية وثرواته الغازية والنفطية".
واشار بويز إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو "نجح في تمرير مرحلة الضغط الأميركي ولو الخجول عليه في اتجاه السلام والآن لا يبدو الوضع في فلسطين أو في جنوب لبنان مقبولا لديه، وقد يلجأ حتما الى تغيير المعادلة سواء عسكريا في الجنوب تحت عنوان حماية إسرائيل من خطر صواريخ المقاومة أو في غزّة، ومن هنا أيضا التحدي الآخر الذي ستواجهه دبلوماسيتنا التي من المفترض أن تكون في أعلى مرتبة من الجهوزية بوجه أي اعتداء اسرائيلي".
أما إقليميا، وتحديدا على مستوى الحالة العربية، فلا الوضع في مصر يتجه نحو حسم موضوع الرئاسة ولا حلول حتى هذه الساعة وقد شهدت مصر تطورات تنعكس على الساحة اللبنانية المرتبطة أيضا بالوضع الداخلي في المملكة العربية السعودية وهو غير مهيأ لبعض المتغيرات، حسب توصيف بويز، وهذا الأمر سينعكس على الساحة اللبنانية إضافة إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تشهد أيضا إعادة تموضع قوى سياسية على الصعيد الداخلي، كلّ ذلك معطوفا على الأزمة العراقية ما سيجعل من واجب لبنان المراقبة الدقيقة والمتابعة الحثيثة لهذا الواقع تحسبا لانعكاساته على الساحة الداخلية.
واشار بويز الى نشوء "حالة جديدة تتكوّن ألا وهي التقارب التركي السوري العربي عامّة، وهذا سيطلق أقله واقعا اقتصاديا جديدا سيحتّم على لبنان رؤية لدوره في هذه المجموعة السياسية الاقتصادية".
وختم بويز "يبقى علينا التحسّب إلى أن الولايات المتحدة الأميركية دخلت الفصل الثاني من ولاية رئيسها باراك أوباما وهي أضعف من الفصل الأول، والسؤال: هل سيتفاعل أوباما مع هذا الواقع براديكالية أكبر؟ أم أنه سيرضخ إلى راديكالية الآخرين من معارضين؟ في كلا الحالتين، فإن المنطقة ولبنان سيتضرران من استيعاب الولايات المتحدة الأميركية أكثر فأكثر للسياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط وعدم قدرة إدارة أوباما على اتباع سياسة أكثر انفتاحا نحو الدول العربية، ومن هنا على لبنان أيضا أن يترقب هذا الواقع وأن يرسم كيفية تعاطيه مع هذه المستجدات، وذراع لبنان الأولى في هذا الشأن ترتكز على إعادة تكوين وزارة خارجية تستطيع توحيد الرؤية الداخلية حول سياستها وقادرة على تسويقها في الخارج بأعلى درجات الصدقية والفاعلية والديناميكية، ولا مجال هنا لأن تغلّب اعتبارات المصالح الداخلية السطحية على حاجاتنا الخارجية الكبرى".