#dfp #adsense

بغداد فالإسكندرية.. كيف يتقدّم التاريخ في منطقتنا؟

حجم الخط

يأتي التفجير "الإستنحاريّ" الإرهابيّ الدمويّ الذي تعرّضت له كنيسة القديسين في الإسكندرية، من بعد مذبحة كنيسة النجاة في بغداد، ليطرح وبقوّة المسألة المسيحية في عموم الشرق الأوسط كمسألة جوهرية بإمتياز لا بالنسبة إلى أبناء هذه الكنيسة المسيحية أو تلك، ولا بالنسبة إلى مجمل المسيحيين فقط، ولا بالنسبة إلى العلاقة الواجبة بين المسلمين والمسيحيين، إنّما، وقبل كلّ شيء آخر، بالنسبة إلى أساس الوجود الحضاريّ في هذه المنطقة، وما إذا كانت كلّ الجهود التي بذلت في القرنين الماضيين لجعل هذه المنطقة تكتسب بعضاً من مقدّمات وشروط الحداثة، أي بعضاً من مقدّمات وشروط إستئناف العطاء الحضاريّ، قد تمخّضت حصيلتها في خاتمة المطاف عن فشل تاريخيّ، ونضوب عام يتكشّف إرهاباً له أكثر من لون، وحقداً له إسم واحد.

وإنّه لكبير دلالة أن يأتي "11 أيلول" الشرق أوسطيّ على هذا النحو، مستهدفاً كنيسة في بغداد وأخرى في الإسكندرية.. والإسكندرية تعني ما تعنيه على صعيد التاريخ الحضاريّ كمنارة للتمازج بين الحضارات والفلسفات والعقائد في العصر الهلنستيّ مثلما هي بغداد في العصر العباسيّ.. ومجرّد الإلتفات إلى هاتين الدلالتين الأكثر من رمزيتين إنّما يذكرّنا بحقيقة يكابر عليها خطاب الممانعة والمقاومة والمجاهدة والمغالبة والحقيقة أنّ التاريخ في هذه المنطقة ما عاد يتقدّم.. بل أنّ المحاولات الرائدة في الأجيال الماضية.. سواء منها الأصيلة أو الوافدة.. لجعله يتقدّم لم تفلح في خاتمة المطاف.

ماذا يعنيه كلّ ذلك؟ أنّ "المسألة المسيحية في الشرق الأوسط" بالشكل الذي باتت فيه حالياً لم تعد مسألة كيفية حماية الوجود "الفيزيائيّ" للمسيحيين ولا حتى كيفية إطلاق "الحواريّات" بين أتباع الديانات "السماوية".. وإنّما هي وقبل كل شيء مسألة التقدّم أو عدم التقدّم في هذه المنطقة من العالم.. وهذا يعني أنّ وعي المسيحيين للمسألة الوجودية الحضارية التي باتت تعنيهم لا يمكن أن يكون وعياً تاريخياً يرتفع إلى مستوى التحدّي والمسؤولية الجماعية إلا إذا كان وعياً يتّصل بطرح مسألة "لاهوت التقدّم" وليس أبداً الإلتفات إلى أنواع بالية من "لاهوت التحرير" التي يراد بها ان تنساق الجموع المسيحية وراء خطاب الممانعة والمقاومة والمجاهدة والمغالبة الذي لا يختلف إلا بالدرجة، لا بالنوع، عن ذاك الخطاب الذي يبيح بل يحرّض على سفك الدماء من بغداد إلى الإسكندرية.

و"لاهوت التقدّم" يتمحور في هذا المجال هو مفهوم التقدّم والكيفية التي استثنت هذه المنطقة من العالم نفسها منها، والكيفية التي قامت فيها جهود وجهود لكبح هذا الإستثناء وإعادة الوصل مع التقدّم العالميّ، والدور الذي سطّره المسيحيّون، كإكليركيين أحياناً وكعلمانيين أحياناً أخرى، لأجل هذا الوصل. كما يتمحور "لاهوت التقدّم" حول إذا كان بعدُ ثمّة من رجاء اليوم، في إستئناف حركة إعادة وصل هذه المنطقة من العالم بمسارات التقدّم على الصعيد العالميّ، وما هو دور المسيحيين، من كل بلدان المنطقة، في هذا الإطار.

في كلّ الحالات، هذا يعني أنّه وجب أن تكون للمسيحيين في الشرق الأوسط إستراتيجية تاريخية شاملة تجمع شملهم، وهذه الإستراتيجية ما عاد ممكناً أن يضعها الإكليركيون وحدهم ولا العلمانيون وحدهم، وهي لا يمكن أن تكون إستراتيجية إذا ما اقتصرت على سياسة من "سياسات الهوية" أو من "سياسات التظلّم"..

والمسألة المسيحية في الشرق الأوسط تكشف بل تعرّي الخطاب الذي بإسم حقده على الإستشراق حيناً وإصراره على رؤية الإستعمار في كلّ مكان حيناً آخر، صارَ يفتتن بكل حكايا "السكان الأصليين" في كافة المستعمرات السابقة وأشباه المستعمرات، إلا مسيحيي الشرق، يتعامل معهم كجاليات أجنبية. لقد آن أوان القطع الشامل مع هذا الخطاب، مثلما آن أوان القطع مع ملحقاته التي ترى أنّ على المسيحيين في الشرق أن يظهروا دائماً أنّهم ليسوا جالية أجنبية من خلال تبنيهم لخطابيات الممانعة وكيل المدائح للممانعين بمن فيهم أولئك الذين يتوعدوهم بـ"النحر" حيناً، وينفّذون، أو الذين يخافون عليهم من "الإستنحار"، وعلى هذا الأساس يعملون.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل