الحملة التي يشنها اعلام ما يسمى "المعارضة السابقة"، وبخاصة "التيار الوطني الحر"، على الرئيس العماد ميشال سليمان لمجرد أنه قال انه يعلم متى يطرح بندا ما على التصويت في مجلس الوزراء ومتى لا يطرحه، تعيد المراقب الى عامين ونصف العام من الشد والجذب، من قبل المعارضة اياها، حول ما ينبغي على "الرئيس التوافقي" أن يقوم به، أو لا يقوم به، ولكن دائما في ضوء سياستها القائمة على تخييره بين حدين: " أن تكون معنا… والا فأنت عدو"!.
للمناسبة، هي سياسة "المعارضة" نفسها ازاء رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري: " اعتماد التوافق على ما نريد، عندما نريد، والا فتعطيل الحكومة" سواء في جلساتها الرسمية أو من داخل الوزارات نفسها!.
فلم يعدم اعلام فريق 8 آذار، ولا قادته من أرفع المناصب، فرصة الا وذكروا الرئيس فيها بأنه "رئيس توافقي" على قاعدة أن "التوافق" يعني فقط تقرير ما يقبل به وزراء هذا الفريق والا فلا توافق ولا من يوافقون. وفي المسألة المثارة حاليا، مسألة ما يسمى "شهود الزور"، جاء هؤلاء الى مجلس الوزراء بموقف بالغ الوضوح في السياق اياه، يقول بالحرف: احالة المسألة الى المجلس العدلي، والا فلا جلسات لمجلس الوزراء بعد الآن.
لكنهم في ما يتعلق برئيس الجمهورية، الذي حاول على مدى جلسات ثلاث لمجلس الوزراء أن يصل الى توافق حول هذا البند، لم يقفوا عند حد رفض المحاولة والاصرار على القرار الذي يريدونه، بل تعدوه الى التهجم الشخصي على الرئيس بلسان العماد ميشال عون وأحد وزيريه في الحكومة، وزير الطاقة والموارد المائية جبران باسيل، فضلا عن بعض أجهزة الاعلام الناطقة باسم الفريق كله.
لماذا؟!، يميل البعض الى احالة الموقف على طموح عون القديم/الدائم بالوصول الى رئاسة الجمهورية، والظن بأنه انما يستغل الفرصة المتاحة حاليا لاعادة تظهير وضعه، أمام حلفائه بالذات، قبل فوات الأوان. الا أن ما ينبغي قوله هو أن ظن هذا البعض ليس سوى جزء من الحقيقة، لأن هناك أجزاء أخرى أكثر أهمية من ذلك وراء حملة عون على الرئيس سليمان وعهده في هذه المرحلة.
هناك، أولا، سؤال عون المباشر للحلفاء عن دوره ووزنه في "التسوية" التي يقال يوميا أنها آتية من خلال المسعى السعودي السوري، خصوصا وأن تسريبات الحلفاء أنفسهم تتحدث عن اتفاقات على مستقبل البلد والحكم فيه وليس على المسألة الراهنة، مسألة ما يسمى "شهود الزور" فقط.
وعندما يتوهم عون، كما قال علنا في مناسبة سابقة، أنه "بطريرك الطائفة المارونية" المتوج في السياسة، فمن غير المحتمل بالنسبة اليه أن تتم هذه التسوية بينما على رأس الدولة رئيس قوي من جهة، ومتفق عليه محليا وعربيا ودوليا من جهة ثانية، من الطائفة المارونية نفسها.
يشير الى ذلك، بين أمور أخرى، قراره المنفرد مقاطعة جلسات "هيئة الحوار الوطني" تحت شعار أنها لم تعد ذات قيمة، واضطرار الحلفاء الى مسايرته في خطوته، حتى قبل أن تطرح مسألة "شهود الزور" على طاولة مجلس الوزراء أو أن يعلن الرئيس سليمان تمسكه بحل هذه المسألة من خلال التوافق وليس من خلال التصويت.
وهناك، ثانيا، سعي عون لتعزيز تحالفاته الشخصية والخاصة، ليس على الصعيد المحلي مع "حزب الله" فقط، وانما أيضا على المستوى الاقليمي الواسع بما في ذلك أساسا ايران بعد أن أعلنت بوضوح في الفترة الأخيرة أنها تريد أن تلعب دورا خاصا بها، وان لم يكن متصادما مع سوريا، في السياسات اللبنانية.
وفي هذا السياق، يمكن تفسير حملة عون ليس على الرئيس سليمان فقط وانما أيضا وتحديدا على البطريرك الماروني نصرالله صفير فضلا عن الزعماء الموارنة الآخرين، لأن ما لدى ايران من طموحات في لبنان يختلف الى حد كبيرعما لدى سوريا أو لدى أي بلد عربي آخر فيه.
هو "حلف الأقليات" في العالمين العربي والاسلامي، ما همس به عون سرا وتحدث عنه علنا أكثر من مرة في السابق، وما لم يعد شك في أنه أحد أهداف التمدد الايراني هنا وهناك في المنطقة.
وهناك، ثالثا وربما في المقام الأول بالنسبة الى عون، أنه لم يعد يملك أية فرصة للعودة من النفق الذي توغل فيه في سياساته المحلية والاقليمية، فضلا عن أن أحدا في لبنان أو الخارج لم يعد يثق بامكان استعادته منه، وأنه ليس أمامه سوى فعل الشيء نفسه اذا كان له أن يبقى حيثية ما(بغض النظر عن مدى تمثيليتها) في الحياة السياسية اللبنانية.
وفي هذا السياق، تبدو جلية مبادرات عون الى لعب دور "الملك أكثر من الملك"، ان في ما يتعلق بسلاح "حزب الله" وما يقوله عن حاجة لبنان اليه، أو ما يتعلق بالتحامل على الطائفة السنية عموما، أو ما يتعلق قبل ذلك وبعده بانتقاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسياساته المالية والانمائية في لبنان، وصولا في المرحلة الأخيرة الى التهجم الشخصي على الرئيس سليمان في الوقت الذي يلتزم فيه حلفاؤه في "حزب الله" وغيره من قوى 8 آذار، أقله حاليا، الصمت تجاهه.
ما يبقى أن الحملة الشخصية على الرئيس ميشال سليمان، مثلها مثل الحملة المستمرة بدورها على الرئيس سعد الحريري وحلفائه من أحزاب وقوى 14 آذار، انما تصب في النهاية في الجدول اياه الذي تعمل قوى 8 آذار منذ العام 2005 على ابقاء مياهه الملوثة على حالها: تعطيل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها عن العمل من ناحية، والحيلولة دون أي مسعى جدي لاعادة بنائها من ناحية ثانية.
ولا تفعل الحملات الشخصية، وفيها ما فيها من الكلام غير السياسي في جانب واللاأخلاقي في جانب آخر، الا أنها تثير سحبا من الغبار للتغطية على أهداف لا تخدم البلد في المقام الأول… حتى ولا تهدم أصحابها في نهاية المطاف.