#adsense

البابا بنديكتوس يقرع ناقوس الخطر

حجم الخط

حرب تدور رحاها في مشارق العالم العربي وفي مغاربه، والمستهدف واحد أحد. من السّودان الى مصر، فالعراق ولبنان، وسوريا وغيرها من البلدان العربيّة، كلّها في حالة صراع دام لاقتلاع المسيحيّين من جذورهم من كلّ الأقطار العربيّة. ما كان مستورًا بالأمس أصبح مكشوفًا وواضحًا كالشمس اليوم. خمسة عشر عامًا من حرب الأسلحة، هدفها انتزاع العنصر المسيحيّ من لبنان باءت بالفشل، انتقلوا بعدها الى خمسة عشر عامًا أخرى، لكن بحرب جديدة، حرب اقتصاد وتضييق على الحرّيّات العامّة باءت أيضًا بالفشل. واليوم الحرب مستمرّة لذبح الحمل. والحمل ما زال صامدًا، أسدًا ثائرًا يرفض الخضوع. هل يدركون مدى فداحة أفعالهم الظلماء هذه؟ هل يعلمون بأنّ الحرّيّات الدّينيّة في الشّرق، وحدها مدخل الى كلّ الحرّيات العامّة؟ والأهمّ من كلّ ذلك، هل هم على دراية، مصلحة من يخدمون وأمن من يوفّرون؟

اختلف وجه الإضطهاد من زمن هيرودوس الى زمننا لكن المضطهد ما زال نفسه منذ أكثر من ألفيّ عام. أشرقت شمس روما لقرون وقرون وغابت يوم صلب الرّبّ الإله. اندثر الظّلم وبان الحقّ وانكشفت الحقيقة. ما من شمس في الكون ستشرق الا ستغيب في نهاية يومها. ويومهم شارف على نهايته. من فكر لبنانيّ تكرّست حرّيّة المعتقد والدّين في شرعة حقوق الإنسان، فكر شارل مالك يحكم اليوم نظام الحرّيّات الدّينيّة والحرّيّات العامّة في العالم بأسره. إنّها المادّة 18 من شرعة حقوق الإنسان التي جبلت بتراب "بطرّام" الكورانيّة، وحدها التي أمّنت مسار ومصير الحرّيّة في العالم. إذا غابت الحرّيّات الدينيّة بالتّالي ستندثر كلّ الحرّيّات.

واليوم في عالمنا المشرقي يحاولون القضاء رويدًا رويدًا على الحرّيّات الدّينيّة. ولا يدركون مدى فداحة أعمالهم ولا يلاحظون القذارة التي لوّثت أيديهم لعصور وعصور. نسألهم: أين حريّة الصحافة والإعلام في حال منع الإنسان من عيش معتقده الدينيّ؟ هل باعتقادهم سيتمكّن المرء من مزاولة حياته اليوميّة على بساطتها، إذا منع من ممارسة شعائره الدينيّة جهارة؟ وهذا النوع من الحرّيّات هو المدخل لكلّ حرّيّة في العالم بأسره. ليس فقط في المشرق، لكن على وجه الخصوص في عالمنا المشرقي الرّازح تحت عتبة الإرهاب الديني والأصوليّة العمياء والعنصريّة البغضاء. لكن من يقمع الحرّيّة الدينيّة؟

إذًا الوطن القومي للشيعة المتمثّل بولاية الفقيه أو حتى دولة إسرائيل اليهوديّة أو أكثر، أيّة إمارة اسلاميّة سنّيّة أو علويّة أو حتى درزيّة كلّها أوطان متشابهة لا يعترض قيامها الا دولة لبنان القائمة على أساس التّعدّديّة الدينيّة والفكريّة. لذلك كلّ واحد من هؤلاء يسعى الى محاربة لبنان، لبنان الرّسالة كما أسماه قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني. وحجر العثرة الوحيد في قيام هذه الأوطان هو المسيحيّ لأنّه وحده العنصر المشترك. مثال على ذلك إذا ما نظرنا الى تكوين القرى اللبنانيّة، نلاحظ أنّ معظم القرى تتشكّل من عنصر مسيحيّ وآخر إسلاميّ سنيّ أو شيعيّ أو درزي يشاركه قيام القرية. ولا توجد الا قلّة من القرى تتألّف من خليط لا يكون فيه العنصر المسيحيّ. لذلك كلّه يبقى العنصر المسيحيّ هو العائق الوحيد أمام قيام الدولة العنصريّة مهما كانت هويّة هذه الدولة أيهوديّة كانت أم شيعيّة أم سنّيّة أم حتى درزيّة. لذلك الحرب الأولى والاخيرة على المسيحيّ في هذا الشرق، لإفراغ المشرق من المسيحييّن ولقيام الدّول العنصريّة فيه.

نحن كقوّات لبنانيّة من رفض الوطن العنصريّ المسيحيّ من كفرشيما الى المدفون ونحن من سعى الى صيغة الوفاق الوطني التي كرّست في اتّفاق الطائفـ، لقيام الدّولة التّعدّديّة بشكلها الحالي. ودفعنا أكثر من خمسة عشر ألف شهيد وأحد عشر سنة من الإعتقال السّياسيّ وخمسة عشر سنة من الإضطهاد الفكريّ ثمن هذه الصّيغة التي كرّست المناصفة بين المسيحيين والمسلمين. لن نتخلّى عنها ولن نبادلها بأيّ وطن مهما كانت هويّته حتى لو كانت الهويّة مسيحيّة بحتة.

والحقّ يقال انّ قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر عندما قال انّ الحريّة الدينيّة مدخل الى كلّ الحريّات العامّة، لم يأت على هذا القول بإيحاء من لحم ودم بل، الروح الإلهيّ وحده أوعز اليه بهذا القول. وفي قوله هذا قرع لناقوس الخطر في العالم، فاضطهاد الشرق سيتّبعه اضطهاد في الغرب وستعود شريعة العين بالعين والسنّ بالسّنّ والبادئ أظلم. وعندها لن يسلم من حجر الرّحى الا من كسر حدود المكان والزّمان وخرج منهما. وهذا من آخر المستحيلات. في ندائه هذا إنذار مسبق ومن له أذنان سامعتان فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل