من أرض الصمود والمقاومة المسيحيّة… من تاريخ حافل بالنضال والإستشهاد والتضحيّة في سبيل القضية… من نهج القوة والعلم والشراسة المارونيّة…
من رفاق صلابة الإلتزام وقوة العقيدة وعمق الإيمان… من رجال ذاقوا طعم التنكيل والتعذيب والإضطهاد والحرمان… من مجتمع ناضل فكان سببا في بقاء التعددية الحرة في لبنان…
ألف تحيّة وتحية لكم يا من تضطهدون باسمه!!!
الإضطهاد ليس جديدا علينا نحن مسيحيو الشرق الأوسط… فنحن من ارتبط اسمنا بالتنكيل والتعذيب والاستشهاد والنضال والموت في سبيل الله والوطن والمجتمع. فأصبح ما إن تذكر هذه الكلمات حتى تتبادر إلى الأذهان سريعا صورة لمسيحي شرق أوسطي.
إذا ما نظرنا لما نزل بنا من اضطهادات عبر تاريخنا المسيحي في هذا الشرق لأيقنا جيدا حجم هذه القوة المهولة التي نتمتع بها.
من قال ان القوي هو من يمتلك السلاح؟ ومن قال ان دائما المنتصر هو من يحمل هذا السلاح؟
من ناحية أخرى، ومن منظار المقاييس العسكرية، تجدر الإشارة إلى أننا لم نكن يوما في تاريخ هذه المنطقة المعاصر أصحاب السطوة الأقوى في هذا الميدان.
ألا تتساءلون أيها الإخوة في مصر لماذا حتى اليوم لم تتمكن أي قوة مضطهدة أو منكّلة من إبادتنا؟ ألا تتساءلون ونحن من تعرض لشتى أنواع محاولات الإلغاء "حتى من داخل البيت" كيف بقينا حتى يومنا هذا متجزرين في أرضنا؟
أيها الإخوة، لقد استعملنا في حياتنا شتى أنواع المقاومات، كما أن مضطهدينا استعملوا معنا شتى أنواع الإضطهاد. فنحن قاومنا بالسلاح والفكر والإيمان والإلتزام والأصولية عبر التمسك بالثوابت. وهم اضطهدونا بالسلاح والقمع والترغيب والإرهاب و"التجنيد".
نعم، "التجنيد". هذا أخطر أنواع الإضطهاد، لأنه من النوع "الخبيث" لا يظهر حتى يكون قد تحكّم بكميّة لا يستهان بها من الجسد (عناصر المجتمع)، وعندها الخيار غالبا يكون الإستئصال – وهذه الحالة تعني المواجهة في شتى أنواعها – أو العلاج وهذه الحالة نادرا ما تنجح.
السؤال هو: ماذا أعني بـ"التجنيد"؟
أيها الإخوة، إن مشكلتنا برأيي مع مضطهدينا ليس ديننا وإنما اختلافنا (مشكلة التنوع). ولهذا السبب هم يسعون بدأب وجهد لإلغاء هذا التنوع. لذلك أرى أنكم في مصر لا زلتم في بدايات مسار الإضطهاد. فنحن في لبنان قد مررنا على كل محاولات الإضطهاد بالسلاح، ونجحنا في الإمتحان. وردينا على لغة السلاح بالسلاح وسادة "عجرفة الكلاشنكوف" في أرجاء الوطن، فبيّنا عن بسالة وقوة وشراسة في القتال والتاريخ شاهد لنا في ذلك.
لكن الإضطهاد لم يتوقف. هذا ما يدل على أن مضطهدينا لا يسعون وراء قتل أجسادنا وإنما وراء إبادة أفكارنا. لأنه إذا ما كنت مخطئاً لكان أوقف هؤلاء مشروع اضطهادهم لنا بعد عجزهم عن كسرنا عسكريا. ولكن لا، استمر الأضطهاد بشكل آخر، وواجهنا بعدها نوعا آخر هو القمع والترغيب.
في تلك المرحلة بان هدف المضطهدين جيدا، الأجساد لا معنى ولا قيمة لها في نظرهم الهدف هو الفكر. نعم، ازالة هذا التنوع الفكري وتلك الخصوصيّة المسيحيّة الكامنة في النفحة التحرريّة التقدميّة والطليعيّة عندنا، عبر القمع والتهديد والترغيب، ظنا منهم أنهم يستأصلون النفحة المسيحيّة من روح الجيل الذي سيولد بعد تلك المرحلة، فتصبح التحريريّة والتقدميّة ماض لن يعكف عليه والعنصريّة الإتنيّة فكر الأمة الأوحد. عندها يكونون قد قتلوا الفكر في أذهان أصحابه، ويتحول مجتمعنا إلى امرأة يموت الجنين فكريا في أحشائها قبل الولادة.
مرة أخرى نجحنا في الإمتحان، فـ "في النار رمينا ومن النار ذهبا خرجنا فشكرا لك يا الله". بقيت "القضيّة" ولم "تأكل الثورة أولادها"، وبقي دم تلك الخصوصيّة المسيحيّة يسري في عروق المجتمع. والمقاومة نبض في عروق الجنين قبل الولادة.
عندها اعتبرنا مرة أخرى أيضا أنهم اندحروا من دون عودة، ولكنهم عادوا. هذه المرة بنوع جديد من الإضطهاد وهو "التجنيد"، وهنا بيت القصيد. نعم، بعد فشلهم العسكري والسياسي بدأوا في محاولة جديدة بعضهم سماها "خديعة" والبعض الآخر "تسونامي". أما أنا فلا أرى لها تعبيرا سوى "التجنيد".
لقد نجح مضطهدونا أن يجنّدوا من بيننا "قادة" ليبثوا عبرهم، وبديماغوجيّة كبيرة، بروباغاندا (Propaganda) سياسيّة أساسها تصوير الثوابت المسيحيّة بأنها "انعزال" وتثبيت فكر جديد قوامه "إذا كنت لا تمتلك السلاح فاحتم بمالكه".
لن أدخل في تفاصيل نقض هذا الفكر الملتوي لأنه ينقض ذاته بذاته. فكل من قرأ أو يقرأ التاريخ المسيحي يعرف تماما أن هذه النظريّة لا يربطها بأصوليتنا أي رابط. وأنا أعلم جيدا ان ناشريها يتلطون وراء مبدأ "التغيير" ليعللوا سبب ابتعادهم هذا عن الثوابت. ولكن فليسمحوا لي، إن ما يقومون به ليس تغييرا وإنما نسفا لكل مبادئنا وثوابتنا وتاريخنا، وهذا نكران لمسار نضالي يناهز عمره الـ 1600 سنة. إن هذا الأمر مرفوض تماما لأنه لا يحق لأحد مهما علا شأنه أن يدمر مسار نضال قدّم الآلاف أرواحهم تضحية على مذبحه لاستمراره. إن التغيير يحافظ على الأساس ويعمل على استبدال الظاهر، ليس بالمعنى السطحي للكلمة وإنما بالمعنى الإستراتيجي، أي أن "التغيير" لا يتطرق إلى الإستراتيجيّة العامة وإنما يعمد على استبدال تكتيات معينة بأخرى. وهذا ما لا يفعله هؤلاء.
من جهة أخرى، وبعد هذا "الإختراق النوعي" الذي تمكن مضطهدونا من تحقيقه، تمكنا نحن المسيحيون "الأصيلون" ومن دون اللجوء للإستئصال من ضبط وتقوض حركة انتشار هذا "الورم الخبيث" في مجتمعنا، بالإستناد إلى قوة الحجّة والعمل السياسي الفكري البحت. لأن من يرتكز على الأصولية الثابتة في طروحاته السياسيّة فإن حجّته في حد ذاتها تاريخ، بينما الذي يرتكز على البروباغاندا (Propaganda) التغييريّة الإصلاحيّة في مشاريعه الإنتخابيّة فلن يجد ما يدعم نظريّته سوى غضبا هستيريا.
إخوتي في مصر مع كل التعازي التي أتقدم بها لكم، أنا أشارككم آلامكم لأنني أذكرها جيدا فأنا مررت بها يوما. ولكن اتعظوا من تجربتنا، فاضطهاد السلاح سهل المقاومة عبر بعض الإحتياطات الأمنيّة بعكس"التجنيد". لذا انتبهوا من أن يظهر وبسحر ساحر "مجنّد" بينكم تظنون أنه قائدا وفي الحقيقة هو ليس سوى عميل لمضطهدينا ينفذ سياسة رُسمت مسبقا له لضرب مجتمعكم.
أخيرا "انا نور هذا العالم ومن يتبعني لن يمشي في الظلام" ونحن نور هذا الشرق ولن ننحدر إلى ظلامهم.
مسيحي لبناني "أصيل"