اي وطن هذا الذي بات يخشى العدالة؟
اي وطن هذا الذي بات فيه الشواذ قاعدة والقاعدة شواذا؟
اي وطن ذاك الذي لا يثق قسم من شعبه بحق القسم الثاني منه بالحقيقة واحقاق العدالة؟
اي وطن ذاك الذي باتت فيه العدالة موضوع تفاوض ومبادرات خارجية وشلل داخلي؟
اي وطن ذاك الذي نطالب فيه من فريق بأن يتخلى عن عدل مضمون في مقابل فرضيات غير قانونية وغير قضائية؟
اسئلة بالجملة نطرحها على انفسنا في ظل على امعان حزب الله وقوى 8 آذار والرئيس نبيه بري في سيرهم عكس التيار والمنطق والقانون ومنطق القانون.
اولا: كيف يطلب منا ان نتخلى عن العدالة الدولية لاحقاق الحق والعودة الى عدالة لبنانية، ومن يطلب منا ذلك يعطينا كل يوم أمثلة معبرة عن قدرته على تعطيل البلد وشل المؤسسات وطعنها بما فيها شل القضاء والعمل القضائي؟ وابرز دليل على ذلك عدم تعيين رئيس مجلس قضاء اعلى خلفا للقاضي غالب غانم والذي هو بحكم القانون رئيس المجلس العدلي الذي يطالب حزب الله بإحالة ملفات اليه؟
اي نموذج يركن اليه او يوثق به قدمه او يقدمه حزب الله وحلفاؤه في اعتماد سياسات الشل والتعطيل المؤسساتي والدستوري والسياسي والاقتصادي في البلد كل مرة لا يعجبهم العجب ولا يحصلون على ما يريدون؟ فمن يضمن لنا غدا اذا ما تبين للحزب وحلفائه ان المجلس العدلي – وعلى افتراض جدلي بصلاحيته مع انه غير صالح وغير ذي اختصاص نوعي وموضوعي – في سياق بحثه ونظره في ملف ما يسمى "بشهود الزور" وصل الى استنتاجات تناهض او تناقض او تخالف مصالح الحزب وحلفائه، من ان يقدم الحزب ايضا على شل المجلس العدلي بالف وسيلة او وسيلة بدءا بأبسط الوسائل الا وهي شن الحملات عليه واعتباره مسيسا طالما ان المبدأ لدى الحزب ان مجرد الشك لديه يساوي احكاما مبرمة بحق الآخرين؟
ثانيا: اذا كانوا يتهمون العدالة الدولية بالتسييس فانهم ينسون ان من سيسها هم انفسهم، ومن يقدر على تسييس الاولى قادر من باب اولى على تسييس اية عدالة وعلى اتهامها باية تهمة – خاصة متى اصبحنا – كما هو لبنان اليوم وبعض الفئات اللبنانية ومنهم الحزب وحلفائه – متفلتين من اي التزام بضوابط المنطق والعقل القانوني والمؤسساتي – وهم احبطوا واطاحوا بمنطق عمل المؤسسات منذ زمن بعيد انطلاقا من عدم اعترافهم بالدولة اللبنانية برمتها… فكيف بسحر ساحر يثقون كل هذه الثقة بالقضاء اللبناني والمجلس العدلي لكي يحاولوا اقناع السذج منا بانهم ذوي نوايا موضوعية ومتجردة لا تهدف الاطاحة بالحقيقة والعدالة بل فقط ضمان نقاوتها ؟ فقبل ان يدعونا الى أن نثق باي قضاء غير القضاء الدولي فليبدأوا بجعلنا نثق اولا بنواياهم الحقيقية تجاه الدولة اللبنانية ونواياهم الحقيقية تجاه تدعيم المؤسسات ومساهمتهم في بناء الدولة، ما يفترض طغيان منطق الدولة على منطق الميليشيات ومنطق وحدة الارض والشعب على منطق البؤر الامنية والغيتوهات المذهبية، ومنطق القانون على منطق شريعة الغاب ومنطق سلطة واحدة وجيش واحد على منطق سلاح ميليشياوي لحماية السلاح تحت شعار المقاومة الشريفة، ومنطق انخراطهم في مشروع الدولة وحكم القانون وسلطان الدستور وعمل المؤسسات بمنطق رجال مؤسسات لا رؤوساء ميليشيات او زعماء احياء وشوارع… فليبدأوا باقناعنا بكل هذا الانقلاب الفكري المؤسساتي لديهم قبل ان يقنعونا بانهم يؤمنون بأن العدالة اللبنانية خير من اية عدالة اخرى، سيما وانهم الى الآن نجحوا نجاحا منقطع النظير في تخطي النصوص والشرائع والدستور والقوانين وهم حتى لا يستوعبون كون المادة (356) من قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد لا تجعل المجلس العدلي صالحا للنظر في قضية ما يسمى شهود الزور، ويفسرون على مذاجهم وهواهم نصوص الدستور ويجتهدون في "تركيب ما لا يركب "، وقد باتوا متخصصين في سياسات حل المشاكل في الشارع وبالقوة بدل التزامهم بحلها ضمن المؤسسات الدستورية والاطر الدستورية والمجالات المؤسساتية الاخرى المقوننة والمشرعنة والشرعية.
ثالثا: اي نموذج يقدمونه اليوم لنا لاقناعنا بانهم بحق طلاب حقيقة وعدالة وقد انبرى اكثر من رمز لديهم من قوى 8 آذار يصل الى حد عدم الاكتراث لدماء رفيق الحريري والشهداء الابرار في ثورة الأرز؟ واي نموذج يقدمونه لنا بعد ان اوقعوا انفسهم في ازمة ثقة مع شريحة كبيرة من اللبنانيين بالاضافة الى ازمتهم النفسية تجاه المجتمع الدولي؟
ويريدوننا ان نقتنع بانهم مع الدولة والطائف ومن اجلهما في وقت لا نرى كيف يمكن لحامل سلاح غير شرعي ان يكون مع مشروع الدولة وان يدعي تعزيزها ومساهمته في قيامها.
رابعا: يريدون العدالة نعم… لكنها عدالتهم المطوعة في خدمة سلاحهم… وهم يريدون الدولة نعم … لكن الدولة على نموذج دويلتهم ومناطقهم الامنية ومربعاتهم المغلقة…
فالعدالة الحقة شرط اساسي لقيام الدولة الحقة. وان كان العدل اساس الملك فان الدولة هي اساس العدالة، فاين هم منهما معا اليوم؟؟؟
دولة لا تكون الا على قياس اجندتهم الخاصة، وعدالة لا تكون الا كما يريدونها هم ان تكون حماية لسياستهم وارتباطاتهم ما وراء الحدود، على قاعدة ان كل شيء يخفت ويسقط امام قدسية سلاحهم. يقترحون علينا ان يقرروا بقوة سلاحهم متى تكون المحاكمة عادلة ومتى تكون مسيسة… ويقترحون علينا ان يقرروا بقوة سلاحهم متى تكون الدولة وهي دولة الخدمات دولة العناية الالهية فقط لديهم فيما دولة السيادة والامن هي في سلاحهم اولوية الاولويات. فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لا بل صوت السلا…
فان نجح الحزب وحلفاؤه فهو في جعل مطلب الحق جريمة، ومبتغى العدالة تآمرا، وسعي اللبنانيين الى قيام دولة القانون السيدة الحرة والمستقلة خيانة عظمى! لانهم بكل بساطة والى ان يقنعوننا بعكس ما نقول، يريدون جرنا جميعا الى المربع الذي يناسبهم: مربع قضاء لبناني قادرين في اي وقت الاطاحة به والانقلاب عليه واسقاطه وتسييسه، وهم لم يتوانوا عن تسييس القضاء الدولي – في مخيلتهم – فكيف عن تسييس القضاء اللبناني الواقع في قبضتهم ومرمى سلاحهم يوما ان شاؤوا؟!
فهل باتت العدالة كابوس الوطن، بدل ان تكون العدالة مدماك الوطن الذي نريد؟
