يقول مثل صيني قديم ان "الغبي هو من يتقصد عض لسانه كي لا يقال عنه انه يتذوق طعام غيره". وهذا ما ينطبق على المعارضة السياسية في لبنان عندما تطالب بتغيير حكومة سعد الحريري، مع انها تعرف ان لا مجال امام سواه لتشكيل حكومة بديلة. وهذا ما ينطبق ايضا وايضا على ما تزعمه المعارضة الغبية واعلامها الاكثر غباء من ان هناك فكرة لاحداث تغيير حكومي يستبعد عنه توزير بعض قوى 14 اذار، مع علم اصحاب هذه النظرية ان المطلوب ازاحتهم من الحكومة الحالية هم في صلب، بل اساس قوى 14 اذار؟!
وما يدعو الى التساؤل عن جدوى هذا الغباء المستفحل، هو مجرد الزعم بوجود جهة معينة داخل "القوى الاستقلالية" تمنع الرئيس سعد الحريري من ان يغير رأيه بالنسبة الى المحكمة الدولية، فيما المقصود بصورة اكثر غباء تقطيع اوصال التحالف بين السنة والمسيحيين "ليخلو الجو" للمعارضين كي يتشددوا في عمليات الطعن في السلطة التنفيذية بعدما خلا لهم جو الطعن في مجريات السلطة التشريعية حيث هناك تفاهم مخيف بين الحلفاء الشيعة ومعهم بعض السائرين في ركابهم من المسيحيين الذين يتعذر عليهم ان يجدوا لهم مكاناً الا من خلال انسجامهم مع تصرفات وشروط حلفهم مع حزب الله بالتحديد!
صحيح، ان المقصود هنا هو رئيس التيار الوطني الذي كاد يفتقد حريته لكثرة انسياقه وراء كل ما من شأنه هز الاستقرار في البلد، بما في ذلك ضرب صدقية لبنان، جراء لعب ورقة اسقاط المحكمة الدولية، ومن بعد يتأمن ركوع التيار وزعيمه ميشال عون لمطالب دستورية – تنظيمية اخرى حتى ولو ادت بعض وعود الحلفاء الى ايصاله الى قصر بعبدا بشروط مكانية وزمانية لن يرفضها الجنرال لاكثر من سبب سياسي طالما انها تكفل له قطع الطريق على غيره من الزعامات المسيحية، فضلاً عن تجنيبه مخاطر الوصول الى منصة الاتهام او الشهادة عندما يحين اوان محاكمة صديقه وحليفه ومنظره السياسي والعسكري في التيار الوطني العميد فايز كرم بتهمة العمالة لاسرائيل!
هذا الهاجس بالذات، تقول عنه مصادر مطلعة انه يقض مضجع ميشال عون حيث يسكنه خوف كبير من ان تكون جهة دولية (اميركا مثلا) تملك وثائق عن عمالة مباشرة لعون مع الموساد الاسرائيلي وهذا الواقع من الامور التي تخيف عون وتجعله يبحث بالفتيل والسراج عمن يدفع عنه صفة العمالة. ولن يجد في الميدان افضل من دعم الحليف الشيعي الذي بحسب اعتقاد "الجنرال" قادر على ان يقلب الابيض الى اسود. وهو يعطي ادلة على ذلك من خلال ما يراه من تصرفات وشروط تعجيزية لم يتوقف الحزب عن طرحها في السوق السياسية، اقله قبل ان يتضح الخيط الابيض من الخيط الاسود بالنسبة الى مدلولات قرار المحكمة الجنائية الدولية، حيث تستقتل قيادة الحزب مع وزرائه ونوابه (…) وحلفائه "لتجنب الوصول الى ساعة الحقيقة"!
وفي عودة الى الفكرة الغبية المطروحة بالنسبة الى "تغيير الحكومة او تعديلها"، فان من ينساق وراءها كمن قد خطط لها من لحظة طرحها في التداول الاعلامي، على رغم معرفة الجميع بلا استثناء انها فكرة محكومة بالفشل، طالما ان سعد الحريري ليس مستعداً لان يجيئ بالدب الى كرمه، بعدما اضطرته ظروف سابقة لان يتعاطى مع دب قوى 8 اذار كخيار لا بد منه اثر احداث شهر ايار من العام 2008، حيث ظهرت المعارضة على حقيقة مسعاها لاحراق البلد تنفيذاً لمخطط منع انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بما في ذلك اقفال مجلس النواب ومنعه بالقوة من الانعقاد، "للدلالة على ان اللبنانيين منقسمون". وقد فعلت اللعبة اياها فعلها السلبي جراء انسياق الفريق العوني وراء خيار آخر لم يجد بداً من اعتماده عشية اجراء الانتخابات النيابية وتجييش الناخب الشيعي في عدد من المناطق ذات الطابع السياسي الحساس لمصلحة مرشحي التيار وتكتل التغيير والاصلاح؟!
وطالما ان حزب الله قد تصرف انذاك من خلال نقطة الضعف السياسي والنيابي لدى "الجنرال الحليف" فانه سار قدماً في فتح طريق الشام امامه (…) ولم يتوان عن فتح طريق طهران حيث انهالت الخيرات المعنوية من السوريين والمادية من الايرانيين ولا تزال لمجرد ان "عون مجتهد في درسه ومواظب على عمله الحليف"!
اليوم، جاءت تجربة فكرة الركون الى عون ليس لانه قادر على الحلول محل القوى المسيحية في قوى 14 اذار، بل لانه مستعد لان يبيع سعد الحريري مواقف ومواقع سورية – ايرانية لن يقدر امين الجميل وسمير جعجع على تأمينها له، بما في ذلك "ابعاد شبح الحرب الداخلية" في حال لم يتم ايجاد مخرج للمحكمة الدولية التي يراها حزب الله وحلفاؤه بمستوى "الهدف – المقتل" الذي لا بد من الاستعداد لمواجهته بمختلف الوسائل؟!
يبقى القول ان سعد الحريري اذكى بكثير ممن يحاولون جره الى بؤرة المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة والايام المقبلة ستؤكد هذا الواقع وتكذب توقعات الاغبياء من المعارضين واعلامهم؟!